مبادرات
الرئيس.. هل تلبي مطالب "المشترك"؟!
الأربعاء
, 26 مايو 2010 م
إعداد:
محمد الأحمدي- عبدالله بخاش- أحمد القمري
استقبلت
مختلف الأوساط والقوى السياسية المبادرات التي تضمنها خطاب الرئيس علي عبدالله صالح
عشية عيد الوحدة 22 مايو بنوع من الارتياح والتفاؤل بانفراج وشيك للأزمة الراهنة في
البلد، في حين بدا ظاهراً ردود فعل أحزاب المعارضة في تكتل "اللقاء المشترك"
أكثر ضبابية حتى الآن في أقل أحواله لجهة التعاطي مع هذه المبادرات، التي كان يتوقع
أن تتعاطى معها على نحو أكثر إيجابية، للانطلاق منها في خارطة طريق للخروج من تعقيدات
الأزمة الراهنة..
خطاب الرئيس
بمناسبة عيد الوحدة سبق الوعد بتضمينه مفاجآت مهمة، وقد حمل بالفعل أكثر من مفاجأة،
الأولى تمثلت في دعوته إشراك معارضة الخارج لأول مرة في حوار وطني مسؤول بين
"كل أطياف العمل السياسي وكل أبناء الوطن في الداخل والخارج"، طبقاً للرئيس،
الذي شدد في خطابه على أن يكون هذا الحوار "تحت قبة المؤسسات الدستورية دون شروط
أو عراقيل".
أما المبادرة
الثانية فقد تمثلت في ترحيبه بـ"حكومة ائتلافية"، من كافة القوى السياسية
الفاعلة الممثلة في مجلس النواب، "وفي المقدمة الشريك الأساسي في صنع الوحدة وشركاؤنا
في الدفاع عنها"، وهذه تعد المرة الأولى يتحدث فيها الرئيس صالح صراحةً عن الشريك
الأساسي في صنع الوحدة، ويقصد به الحزب الاشتراكي اليمني، في حين يقصد بشركائه في الدفاع
عنها حزب التجمع اليمني للإصلاح.
الرئيس
صالح عبّر في خطابه أيضاً عن ترحيبه "بالشراكة الوطنية مع كل القوى السياسية في
ظل الدستور والقانون وما يتفق عليه الجميع"، مشيراً إلى أن تشكيل حكومة ائتلافية
يكون "في ضوء نتائج الحوار" بين هذه القوى السياسية، وهو الحوار الذي يفترض
أن يناقش كذلك "التحضير لإجراء انتخابات نيابية في موعدها المحدد، في ظل الشرعية
الدستورية والتعددية السياسية"، كما جاء في الخطاب.
صحيح أن
الترحيب بحكومة شراكة سابق لأوانه، خاصة وأن تشكيل الحكومة سيكون لاحقاً للحوار، إلا
أن حديث الرئيس عن هكذا موضوع مؤشر إيجابي على رغبته في فتح صفحة جديدة، كما يبدو،
من العلاقة بين شركاء العملية السياسية والديمقراطية في البلد.
وتأتي
المبادرة الثالثة للرئيس بمثابة استجابة لأحد أهم مطالب أحزاب المعارضة في "اللقاء
المشترك"، حين وجّه "بإطلاق سراح جميع المحتجزين على ذمة الفتنة التي أشعلتها
عناصر التمرد في صعدة، وكذا المحتجزين الخارجين عن القانون في بعض مديريات لحج وأبين
والضالع"، إذ ظلت أحزاب "المشترك" طيلة الفترة الماضية تعتبر إطلاق
سراح هؤلاء السجناء من أهم شروط الحوار مع الحزب الحاكم طبقاً لاتفاق فبراير، الذي
ينص على تهيئة أجواء مواتية للحوار، وهي الأجواء التي لا تتحقق إلا بإطلاق سجناء صعدة
والحراك.
وفي الوقت
الذي ما برحت أحزاب "المعارضة" وفي مقدمها الاشتراكي تطالب بإزالة آثار حرب
1994، لم يكتفِ الرئيس صالح في خطابه عشية عيد الوحدة بإطلاق هذه المبادرات، بل أكد
على أنها تأتي "حرصاً منا على طي صفحة الماضي وإزالة آثار ما أفرزته أزمة عام
1993م وحرب صيف عام 1994م"، وهو الأمر الذي يفسر وجود رغبة حقيقية لدى النظام
الحاكم في الخروج من حالة القطيعة مع الطرف الآخر في الساحة السياسية ممثلا بشريكي
الوحدة والدفاع عنها.
قرار العفو
عن المعتقلين على ذمة حرب صعدة والحراك الجنوبي تبعه بالمناسبة ذاتها قرار العفو عن
الصحفيين المعتقلين والمحاكمين على ذمة قضايا حق عام، وهو الأمر الذي قوبل بترحيب نقابة
الصحفيين اليمنيين، واعتبرته خطوة تؤسس "لمرحلة جديدة من العلاقة الطيبة بين الصحفيين
والحكومة، من شأنها تهيئة الأجواء المناسبة لعمل الصحفيين".
أحزاب
المعارضة المنضوية في تكتل "اللقاء المشترك" والمعنية بدرجة أساسية في خطاب
رئيس الجمهورية، بدت متمسكة بذات الخطاب التراجيدي الذي درجت عليه في مناكفاتها السياسية
مع السلطة، حين أعادت التذكير بأخطاء السلطة وفسادها وكوارثها، معبرة على لسان أحد
كياناتها باسم (اللجنة التحضيرية للحوار الوطني الشامل)، عن بالغ أسفها "لتبدد
الآمال التي كان يعقدها شعبنا على وحدة وطنه...إلخ"، بينما كان المنتظر من هذه
الأحزاب أن تنتقل بخطابها السياسي إلى مرحلة جديدة تواكب المتغيرات التي طرأت على الخطاب
السلطوي ومضامينه الجديدة.
لجنة
(الحوار الوطني) المنبثقة عن "المشترك"، لم تأتِ بجديد حين طالبت بحوار
"وطني شامل لا يُستثنى منه أحد (...) ودون شروط مسبقة"، إذ كان الرئيس صالح
نفسه قد أكد في خطابه على رفض أي شروط مسبقة أو عراقيل، غير أنه بدا لافتاً في الأمر
حين اشترطت لجنة الحوار هذه التي يرأسها قيادات من "المشترك"، بأن يكون الحوار
"تحت رعاية إقليمية وعربية ودولية"، في الوقت الذي يمد الرجل يده إلى كافة
القوى السياسية داخل البلد وخارجه، للحوار تحت "قبة المؤسسات الدستورية دون شروط
أو عراقيل مرتكزاً على اتفاق فبراير الموقع بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء
المشترك الممثلة في مجلس النواب"..
العديد
من قيادات المشترك حين اتصلت عليها "الغد" للتعليق على مضامين خطاب الرئيس،
رفضت حتى مساء الأحد أي حديث حول الموقف من هذه المضامين، مشيرة إلى أنها لا تزال تتشاور
فيما بينها، وأنها ستعلن موقفها بهذا الشأن في مؤتمر صحفي يعقد غداة موعد صدور الصحيفة..
لكنها مع ذلك استطلعت آراء نخبة من السياسيين والمحللين والبرلمانيين وخرجت بهذه الحصيلة.
التنازلات
ضروري
عضو مجلس
الشورى حسن السلامي، والقيادي بالمؤتمر الشعبي العام، يرى أن الخطاب السياسي لرئيس
الجمهورية في ذكرى الوحدة اليمنية لم يحمل جديداً، وكان يتوقع ذلك من قبل، وقال: لم
أكن شخصياً أتوقع شيئاً جديداً أو مفاجئاً من خطاب الرئيس في هذه المناسبة، ولكن ربما
عائلتي وكثير من الناس كانوا يتوقعون الإفراج عن المعتقلين ومناقشة قضاياهم سلمياً،
بدون حاجة إلى الدبابات أو المدفعية، وكنت أتمنى منذ وقت على المؤتمر – رغم أني عضو
فيه - أن يبادر بتقديم بعض التنازلات السياسية من أجل الوصول لحلول ممكنة ومن أجل بقاء
الوحدة اليمنية.
وعموماً ما ورد في الخطاب يعد بادرة طيبة، ونتمنى
أن يبدأ الحوار فعلياً، ونتمكن من معالجة ما تبقى من شوائب في صعدة أو في الجنوب، لأن
الثقة في الأطراف السياسية كلها أصبحت مهزوزة، لكن نحن ما نزال متفائلين، وينبغي علينا
أن نحترم بعضنا ونتحاور مع بعضنا حوار الرجال إلى الرجال.
الحوار
هو المخرج
فيما أعرب
الأمين العام لحزب الرابطة (رأي) محسن بن فريد عن ترحيبه بدعوة الرئيس للحوار غير المشروط
مع القوى السياسية، وموقف حزبه الداعي للحوار الوطني وقال: البلد تمر بمرحلة صعبة،
ولا مخرج لها إلا عبر الحوار، الذي لا يستثني أحداً، وإن شاء الله تكون البداية جادة
في هذا الاتجاه، فقد كثر الكلام والوقت لا يسمح بضياع الفرص الأخرى، ولا بد أن تتحقق
أمور عملية ملموسة للناس.
وأضاف: لا يتحقق الاستقرار إلا بالشراكة الكاملة
في السلطة وفي الثروة بشكل عام، ولا يكون الوطن حكراً على منطقة أو حزب أو على فرد،
وعلى أي حال ليس أمامنا كيمنيين إلا أن نقبل بعض، وأن نتحاور ونحاول إيجاد مخارج حقيقية
لمشاكل بلادنا، وفي المراحل الماضية لم يكن هناك جدية في الأمر، ولكن نأمل أن ننطلق
بعد هذا الخطاب في شكل عملي وضمن رؤية صحيحة وجدول زمني للخروج من هذا الوضع الصعب
الذي تمر به البلاد.
خطوة
أولى
من جانبه
وصف رئيس الدائرة السياسية بالتجمع اليمني للإصلاح سعيد شمسان ما تضمنه خطاب رئيس الجمهورية
بالخطوة الأولى على الطريق الصحيح، مؤكداً بأن حزب الإصلاح جزء من المعارضة، وسيكون
ملتزماً بما يتفق عليه اللقاء المشترك حيال ذلك.
وقال:
أعتقد أن قضية إطلاق المعتقلين تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها تعتبر شرطاً وليست
كل شيء، والمفروض أن تتبعها خطوات عملية يلمس الناس نتائجها على أرض الواقع، والقضية
الثانية موضوع الحوار، فالجميع تقريباً يميل
إلى الحوار بقناعة، وهو السبيل لمعالجة كل القضايا المطروحة، لكن هذا الحوار يتطلب
أيضاً إرادة صحيحة وحقيقية، وقناعة بأن هناك أزمة في هذا الوطن، وأن الجميع معنيون
بمعالجة هذه الأزمة، وإذا لم تتوفر هذه الإرادة فأعتقد أن الأمور ستبقى عالقة في مكانها،
ولن نلمس أي نتائج على أرض الواقع.
استجابة
عظيمة
الأمين
العام لحزب الحق حسن زيد أكد موقف حزبه وترحيبه بإعلان رئيس الجمهورية إطلاق المعتقلين،
متمنياً على الأجهزة الأمنية تنفيذ ذلك.
وقال:
الدعوة للحوار تمثل استجابة عظيمة جداً لمطالب شبه مجمع عليها والدعوة لحكومة وحدة
وطنية معني بها الأحزاب الممثلة في البرلمان، ونحن لسنا منهم، وأتمنى عليهم الاستجابة
لها - فيما لو إذا بدأ الحوار - حتى يتسنى لهم ولنا الإسهام في الإعداد لانتخابات حرة
ونزيهة، وما من شك بأن المشاركة في الحكومة ستكون خطوة جيدة لإعادة الاعتبار لشركاء
الوحدة اليمنية، وبشكل خاص دور الحزب الاشتراكي في بناء الوحدة، وقد بدأ الرئيس به
في الحديث وهي إشارة واضحة إلى العودة لما قبل 94، ونتمنى أن تتاح الفرصة للرئيس من
قبل (سدنة السلطة) لتنفيذ وعده، ممن يمارسون حجراً على إرادة الرئيس.
بحجم
مستشاريه
أمين عام
الحركة الوطنية للتغيير والتنمية أحمد الشرعبي أوضح أن ما تضمنه خطاب رئيس الجمهورية
بشأن الحوار مع القوى السياسية هو محل دراسة أمام الحركة ولم يتحدد موقفها النهائي
بشأنه، واكتفى بالتعليق قائلاً: كنا نتوقع الكثير، وأن تأتي المبادرات بحجم مطلقها
فخامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح، لكنها جاءت بحجم مستشاريه، وهم غالباً يصدقونه
الرأي.
المطاف
الأخير
ويعتقد
نائب رئيس دائرة الفكر والثقافة والإعلام بالمؤتمر الشعبي العام الدكتور/ علي العثربي
أن ما أعلنه رئيس الجمهورية بشأن الحوار مع أحزاب اللقاء المشترك يعد المطاف الأخير
في التفاهم معها من أجل الوصول إلى رؤية مشتركة، وقال: لا أعتقد أن بعد هذه التنازلات
التي قدمها رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الشعبي العام أن هناك أشياء أخرى يمكن أن يقدمها
المؤتمر لأحزاب اللقاء المشترك لكي ترضي، ومهما طرح لها من وجهة نظري، فإن نية الحوار
ليست متوفرة لديها، ولو كان لديها النية الصادقة لما عرقلت الحوار ولما رفعت سقف شروطها
التي تتعنت بها في كل مرة.
ويرى العثربي
أن على المؤتمر أن يمضي قدماً في الإعداد للانتخابات النيابية في 27 إبريل 2011، باعتباره
الاستحقاق الذي ينبغي فيه احترام إرادة الناخب، وقال: إن أي اتفاقات سياسية أخرى مع
أحزاب اللقاء المشترك لا أقول أنها معيبة ولكن العيب كل العيب هو عدم احترام أحزاب
اللقاء المشترك لمثل هذه الاتفاقات وهذه التنازلات وحتى الدستور والقانون، ولذلك على
المؤتمر وكل الأحزاب السياسية وكل منظمات المجتمع المدني وكل القوى السياسية الحية
في ساحة الفعل السياسي الوطني أن تتجه نحو التعديلات الدستورية لمناقشتها، وأتمنى الاتفاق
على إجراء الاستفتاء على تلك التعديلات الدستورية ويكون متزامناً مع الانتخابات النيابية،
وهذا هو الطريق الأمثل والأنسب ولا سبيل للوصول إلى السلطة إلا عبر صندوق الاقتراع.
ويضيف
قائلاً: على القواعد في أحزاب اللقاء المشترك أن تعي الدرس وأن لا تنجر إلى ما انجرت
إليه قياداتها من فعل مشين ضد الوطن، وهذا هو الحل الأمثل، وبرغم كل التنازلات فإنني
على ثقة بأن قيادات هذه الأحزاب غير ممتلكة لقرارها، وأصبحت مختطفة، لذلك ينبغي في
المرحلة القادمة أن تكون الحزبية وسيلة وليست غاية وأن الغاية الأمثل هي تحقيق الإنجاز
للبلاد والعباد وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية الشاملة، أما عملية الحوار والاستمرار
في الحوار فلم يعد هناك وقت أطول للحوار باعتقادي، لذلك على الجميع أن يتجه نحو 27
أبريل 2011.
بناء
الوطن
رئيس الكتلة
البرلمانية للحزب الاشتراكي عيدروس النقيب اعتبر كل ما ورد في خطاب رئيس الجمهورية
ليس جديداً، وقد سبق الحديث عنه من المسئولين بما فيهم رئيس الجمهورية، وقال: أتمنى
أن يكون كل ما احتواه خطاب رئيس الجمهورية صادراً عن عقلية سياسية جديدة، لأنه إذا
كان هذا الكلام صادراً عن نفس العقليات السابقة، عقلية الانفصالي والوحدوي والخائن
والعميل والوفي والشريف وغير الشريف، فهذه ستظل مشكلة، ولن تحل مشكلة البلاد، وأتمنى
أن يكون عند رئيس الجمهورية النية لحل مشكلات البلاد، وليس التصدق على أحد بمنصب أو
بموقع، وبالنسبة لإطلاق سراح المعتقلين أنا كنت متيقناً بأن هذه اللحظة ستأتي، فجاء
الإطلاق بقرار سياسي ونحن نباركه، وإن كان قد جاء متأخراً بعد معاناة كبيرة.
وتساءل النقيب عن طبيعة الشراكة الوطنية وحكومة الوحدة
الوطنية، وعما إذا كانت توجد نية لإتباع سياسة جديدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية تجنب
البلاد الانزلاق نحو الهاوية، وتكون لها صلاحيات كاملة، بحيث تعالج مشكلات البلاد وتحارب
الفساد وتطبق القانون وتحمي موارد البلاد من النهب والعبث وتسمح بالحريات وتعيد النازحين
المبعدين قسراً من أوطانهم إلى البلاد، وقال: ما لدينا في اليمن ليس مشكلة تقاسم وظائف،
وإنما ما نعانيه في اليمن هو غياب بناء الدولة، على أسس جديدة، فالوحدة الاندماجية
فشلت في 94، ووحدة الحرب فشلت مباشرة، وما نعانيه اليوم ناتج عن الوحدة القائمة على
الحرب والاستقواء والاستعلاء، فعلينا أن نجلس معاً على مائدة مستديرة لنحدد شكل الدولة
القادمة وليس لتوزيع المناصب.
وأضاف
قائلاً: إذا كانت هذه الإجراءات سوف تأتي لحل مشكلات البلاد فنحن نرحب بها، وأعتقد
أنه ينبغي على رئيس الجمهورية أن يعكسها بإجراءات عملية ملموسة من خلال وقف الحملات
الإعلامية على المعارضين السياسيين الذين يسميهم الرئيس في خطابه الخارجين عن القانون،
والخارجين عن القانون هم لصوص المال العام والفاسدون والعابثون بثروات البلد والقوانين،
وعلينا أن نرد الاعتبار للذين ساهموا في بناء الوحدة اليمنية عام 90، وأن نعترف بدورهم
وحقهم وأن لا نتعامل معهم من منطق المكرمة بأننا نعفو عنهم وكأنهم مجرمون، تحقيق الوحدة
اليمنية ليس جريمة، ولكن علينا أن نستعيدهم إلى الوطن وأن نشركهم في صناعة القرار السياسي
لبناء مستقبل آمن لليمن كاملة وليس لحكام اليوم أو حكام الغد.
ثلاث
مشكلات
أستاذ
العلوم السياسية بجامعة صنعاء الدكتور عبد الله الفقيه وصف ترحيب رئيس الجمهورية بالشراكة
الوطنية مع كافة القوى السياسية بالأمر الايجابي، الذي يشكل تطوراً مهماً في الخطاب
الرئاسي، كالإشارة إلى حرب 94 وآثارها، وإلى قوى الخارج، والى قضية إطلاق المعتقلين،
التي يمكن أن تحدث انفراجاً سياسياً.
ونوه مستدركاً
وجود ثلاث إشكاليات مرتبطة بمسألة الحوار قللت من ايجابية الخطاب، بقوله: في المقابل
هناك في ذات الخطاب مشاكل ترتبط بالحوار، كالإشارة إلى أن الحوار يتم تحت سقف مجلس
النواب دون تحديد واضح للدور الذي سيلعبه مجلس النواب، فإذا كان مجلس النواب سيشرف
على الحوار فهذا أمر منطقي، لكن إذا كان الحوار سيتم بين القوى الممثلة في مجلس النواب
وداخل مجلس النواب، فهذا يعني استبعاد القوى الأخرى مثل قوى الحراك والقيادات التاريخية
للجنوب، والتي تم الإشارة إليها أنها ضمن الحوار، وهناك إشارة إلى اتفاق فبراير، والمعروف
أن اتفاق فبراير 2008 مختلف على تفسيره بين السلطة والمعارضة، والاتفاق في معظمه يحدد
نطاق الحوار بالعملية الانتخابية، وهذه النقطة تمثل مشكلة ثانية، والمشكلة الثالثة
هي الإشارة إلى أن الانتخابات ستجري في موعدها، وهو ما يعني تحديد نتائج الحوار بين
القوى السياسية مسبقاً، لأنه إذا تضمن الحوار عملية إصلاح انتخابي، فعملية الإصلاح
الانتخابي ستأخذ وقتاً أطول من السنة أو السنتين، ربما إلى الثلاث السنوات، فبالتالي
هذه المسائل التي وجهت في الخطاب قللت من أهمية الجانب الإيجابي في الخطاب،
وأضاف
قائلاً: بشكل عام الخطاب إيجابي، وإذا تم إتباعه بخطوات على أرض الواقع يمكن أن يقود
إلى نتيجة، وكذلك الأمور الخلافية سيتم حلها إذا وجد التوجه الحقيقي، وليس المناورة
من قبل السلطة، والمشكلة الكبيرة هي الجنوب وليست الحوار بين السلطة والمعارضة، وبالتالي
الجنوب في اعتقادي لم يتم التطرق له بالشكل الكافي أو وضع معالجات معينة أو طرح مبادرة،
عموماً ما زالت الأمور بحاجة إلى المزيد من التمحيص.
انفراج
متوقع
ويرى رئيس
منتدى التنمية السياسية علي سيف حسن أن ما ورد في خطاب فخامة الأخ الرئيس بمناسبة عيد
الوحدة يعتبر موقفاً إيجابياً، وخطوة إيجابية تقود إلى انفراجة متوقعة في الوضع السياسي
الحالي، وتجاوز حالة الشلل التي تعيشها أطراف المنظومة السياسية الحالية، معتبراً أن
ذلك يمثل تعزيزاً لمسيرة الحوار الحالية بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب المعارضة
الموقعة على اتفاق فبراير الماضي، ويتطلب موقفاً إيجابياً مماثلاً من قبل أحزاب اللقاء
المشترك، لتجاوز عتبة أو مقدمة الحوار.
وأشار
لإمكانية تشكيل حكومة اتفاق وطني لإنجاز الانتخابات البرلمانية في موعدها بقوله: هذا
يمثل وعداً مبدئياً، لكن من المبكر الحديث عنها ما لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق حول
طبيعة التعديلات القانونية والنظامية المطلوبة لإنجاح الانتخابات القادمة، أما القضايا
الأكثر استراتيجية والتي تتجاوز في حدودها سقف وحدود طرفي الحوار ممثلين بالمؤتمر الشعبي
العام واللقاء المشترك فهي ما زالت بعيدة وبحاجة إلى موقف أكثر جسارة وأكثر جرأة، فليس
مهماً من يشارك في الحكومة؟ ولكن الأهم ماذا ستنجز هذه الحكومة؟ وما هي خططها وبرامجها؟
والحديث هنا عن حكومة لإنجاز الانتخابات، مدتها أقل من عام، فماذا تستطيع أن تنجزه
تلك الحكومة في فترة أقل من عام؟! إلا إذا كان هناك تصور مبدئي بأن الانتخابات القادمة
ستسفر عن تشكيل حكومة اتفاق وطني، فهذا أمر آخر من المبكر الحديث عنه.
لا
مفاجآت
النائب
البرلماني عن الحزب الاشتراكي اليمني سلطان السامعي اعتبر الخطاب الرئاسي بأنه لم يكن
على مستوى المفاجأة التي أعلن عنها وانتظرها الشعب كثيراً، وقال: لقد سمعنا مثل هذا
الكلام كثيراً، والكثير منه لم يطبق على أرض الواقع، ونتمنى هذه المرة أن يطلق جميع
المعتقلين السياسيين والصحفيين من أبناء الشمال أو الجنوب، وأن تلتزم السلطة بالتوجه
لحوار وطني مع كل القوى السياسية في الداخل والخارج، وبدون شروط مسبقة، وهذا الحوار
إذا كان من أجل اليمن بدون مماحكات، ستنتج عنه بلا شك تعديلات دستورية وقانونية تعمل
على تغيير شكل النظام الانتخابي، وبالتالي سترسخ مثل هذه التعديلات الشراكة الوطنية
في السلطة والثروة، وهذا الشيء مطلوب لأن الوطن هو ملكنا جميعاً وليس ملك أسرة أو لحاكم
بعينه.
وأضاف
قائلاً: نتمنى أن تكون هذه السلطة هذه المرة صادقة مع ما طرحه رئيس الجمهورية، لأن
البلاد لم تعد تحتمل المماحكات واللف والدوران، فقد وصلنا إلى نقطة يمكن بعدها أن يفترق
الجميع وتتمزق اليمن إلى دويلات، وإذا أثبتت السلطة المصداقية والجدية في هذا التوجه
فإنها قد وصلت إلى مرحلة الوعي بما تعانيه البلاد من مخاطر، وبالتالي بدأت تعي مسؤولياتها
التاريخية، والأيام القادمة هي التي ستنبئنا عن كل شيء.
الشراكة
واقعنا
أما النائب
علي العمراني عن المؤتمر الشعبي العام فيرى أن مشروع الشراكة الوطنية الذي أعلنه رئيس
الجمهورية في خطابه السياسي كان ينبغي أن يكون الوسيلة الوحيدة لإدارة شأن اليمن منذ
عشرين عاماً وليس الآن، وقال: الواقع أن اليمن لا تدار إطلاقاً إلا من خلال شراكة تقترب
من الإجماع، لذلك كان طرح رئيس الجمهورية مثل هذا الأمر رائعاً، وكنت أتمنى أن يفطن
الجميع إلى أن هذا الأمر هو وحده الذي يمكن أن تدار من خلاله اليمن، ولو أمكن لليمنيين
أن يطبقوا مثل ذلك ويتبنوه منذ عشرين عاماً ما دخلنا متاهات الأزمات السياسية ربما.
ويضيف قائلاً: على الجميع إدراك أن مثل هذه الرؤية
- رؤية الائتلاف – هي الواقع ولا بد أن تستمر لفترة طويلة جداً لا تقل عن عقد من الزمن
إن لم يكن أكثر، لأن الديمقراطية التي على أساسها يتم التبادل السلمي للسلطة يبدو أن
ظروفها في اليمن ليست مواتية بعد، فلذلك ينبغي أن تكون هناك شراكة حقيقة كمفهوم حكم،
وحتى الشراكة التي ولدت بعد عام 1990م كان ينبغي لنا أن نستفيد من الإخفاقات التي حصلت،
فاليمن إما أن تحتاج إلى نظام رئاسي متكامل مدني يسيطر فيه المدنيون على القوات المسلحة
أو ائتلاف يدوم لفترات طويلة، وهذا الذي ينبغي أن يحصل ويقام على هذا الأساس، وهذا
ما يحتاجه اليمن.
التحول
الأهم
الكاتب
والمحلل السياسي زيد الذاري اعتبر ذلك تجديداً لدعوات سابقة، وجهها رئيس الجمهورية
لشركاء العملية السياسية للشراكة في تحمل مسؤولية بناء الوطن، وقال: اكتسب خطابه بمناسبة
ذكرى العيد الوطني العشرين أهمية خاصة ويعد خطاباً تاريخياً، لأنه تجاوز ما كان يطالب
به شركاء الحياة السياسية، خصوصاً في المشترك، فاتفق معهم وذهب إلى ما يتجاوز مطالبهم،
وهو موضوع الشراكة وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والحوار الذي سيفضي إلى طرح جميع القضايا،
وبالتالي فالحوار هو المخرج، وتحت سقف الثوابت والنظام والدستور والقانون وما أجمع
عليه المتحاورون، وما سينتج عنه الحوار يمكن أن يكون برنامج عمل للمرحلة القادمة.
وأضاف
قائلاً: لقد فتح الخطاب السياسي للرئيس آفاقاً أوسع لحلول جذرية للأزمات المتراكمة،
وهو تصور لاقتراح الحلول للجذور العميقة للأزمة السياسية في اليمن، وفي مضمون الخطاب
دلالات ومعان عميقة جداً، أتمنى من أطراف العمل السياسي المعنية أن تلتقي بهذا الخيط،
وأن تنتهز الفرصة للاستجابة والتجاوب مع خطاب الرئيس، وما ادعت المعارضة أنه شكل عائقاً
أمام نفاذ المحضر الذي كان جاهزاً، وهو موضوع إطلاق المساجين، اعتبره في هذا الخطاب
جزءاً بسيط جداً من خلال رؤية مستقبلية تفتح الآفاق لتحول هام جداً، بل الأهم في تاريخ
اليمن بعد تحقيق الوحدة اليمنية.
بصورة
عامة
المحلل
السياسي والقيادي في "اللقاء المشترك" محمد المنصور، من جانبه، يرى بأن الوحدة
اليمنية المباركة أهم ما حققه اليمنيون في تاريخهم المعاصر، وهي المنجز الحضاري الذي
يشهد لليمنيين بأنهم استطاعوا في لحظة تاريخية أن يترفعوا على كل موروثات الماضي التشطيري
وأن يحققوا ما كان يتطلع إليه كل أبناء الشعب اليمني، مؤكداً بأن الوحدة لا تزال مطلباً
مهماً في حياتنا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نختلف عليه.
لكن المنصور
لديه تحفظ على الاحتفالات التي تقيمها السلطة باسم الوحدة، فهي، برأيه، احتفالات فيها
التصنع والتظاهر أكثر مما فيها من التلقائية والعفوية، بينما الأهم في الوحدة كما يقول:
أن يحتفل بها الناس على طريقة البسطاء وأن يحتفلوا بالعدل والمساواة والاستقرار والتنمية
وأن تكون السجون فارغة من المعتقلين السياسيين وأن تكون التنمية فعلاً ملموسة وليست
مجرد مشاريع بالجملة، يعلن عنها التلفزيون لا أحد يعلم حقيقتها.
ويستطرد
المنصور قائلاً إن الوحدة هي أن تجد مستشفىً يعالج فيه الناس بإمكانات الدولة وأن تجد
مدرسة نظيفة وأن تجد طريقاً آمنة، أما احتفالات السلطة بهذه المناسبة العظيمة فهي احتفالات
لا تعني معظم أبناء الشعب اليمني الذين يهمهم الآن الخروج من هذه الأزمة المستحكمة،
ويهمهم الأمن والاستقرار والعدالة، ويهمهم أن تلتئم روح الشراكة الوطنية بين الأخوة
في الجنوب والأخوة في الشمال كمواطنين يمنيين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات.
ويعرب
المنصور عن أمله بأن يكون هناك توجه من قبل السلطة نحو إقامة حوار وطني جاد ومسؤول
يجلس فيه اليمنيون كلهم على الطاولة ويبحثون شؤونهم بأنفسهم، ويبحثون عن حلول للمشكلات
بدون تدخل من قوى أجنبية وبدون هيمنة وبدون وصايات، مطالباً في نفس الوقت بأن نحترم
خياراتنا جميعاً وقناعاتنا وأن نحترم وجهات النظر المختلفة بيننا كمواطنين وكقوى سياسية.