مشروع
مياه جبل السوق بـ"آنس" عمره 30 عاماً
توجيهات
رئاسية وأخرى حكومية تفشل في تنفيذه
الأحد
, 25 يوليو 2010 م
الغد- أحمد القمري
الماء
نبض الحياة وأساس قوامها وانعدامه يعني الفناء لكل كائن حي، ومنطقة جبل السوق التابعة
لمديرية آنس محافظة ذمار ليست استثناء من الأرياف اليمنية التي تعاني من أزمة حادة
في مياه الشرب، غير أن الوضع فيها يزداد سوءاً بحكم أنها منطقة جبلية تعانق السحاب
بقممها الشامخة، ما يزيد من حجم المعاناة التي تقتضي خوض مرحلة الجهاد الأصغر المحفوفة
بالمخاطر والتعب من أجل إرواء النفوس العطاش..
وما يثير
الاستغراب والدهشة أن المعاناة لم تتغير رغم وجود مشروع مياه عمره ثلاثون عاماً، لذا
فأهالي المنطقة يشعرون بظلم فريد من نوعه نتيجة تباطؤ الجهات الرسمية في استكمال مشروعهم
الذي أجهض لحظة ولادته ولم تبق منه سوى أطلال أنابيب متناثرة هنا وهناك، يجدد الأهالي
برؤيتها آمالهم كل صباح.
"الغد"
في هذا التحقيق تحاول الكشف عن حقيقة المأساة، مٍن خلال زيارتها الميدانية للمنطقة،
حيث أن لهذا المشروع قصة طويلة متعددة الفصول، وأشبه بحلقات مسلسل مكسيكي تعاقب عليه
المخرجون والممثلون دون نهاية لأحداثه..
لذا فمن
الصعب سرد القصة بكل تفاصيلها الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، أهلت المشروع
من بين جميع المشاريع المتعثرة في اليمن للدخول في موسوعة جينس للأرقام القياسية بكل
جدارة واستحقاق، وليس في الأمر مبالغة، إذ أن أطفال المنطقة الذين عاصروا بداية إنشاء
المشروع قد بدأ الشيب يدب إلى رؤوسهم ليس لتقدمهم في العمر فقط، وإنما لمعاناتهم المريرة
وقلقهم البالغ خشية أن تمتد المأساة إلى أبنائهم، قبل أن تسري المياه في أنابيب المشروع
الذي كلف ميزانية الدولة أكثر من 200 مليون ريال ذهبت هباء منثوراً دون أن يستفيد منه
أحد.
وعود متكررة
الأخ حفظ
الله محمد الخطيب يقول: لم أعرف نفسي منذ طفولتي إلا والمشروع موجود بأنابيبه الفارغة
من أي قطرة ماء رغم الوعود المتكررة لنا، كل عام، بأننا في العام القادم سنشرب من مياه
المشروع، لكن العام القادم لم يأت إلى الآن رغم توالي الأعوام، وأضاف بأن أهالي المنطقة
وعقالها وشيخها بذلوا كل ما يستطيعون لاستكمال المشروع ومتابعة الجهات المختصة، ولكن
دون جدوى.
وأوضح
أن هناك آلاف النساء والأطفال ينقلون ما يكفيهم وأسرهم من مياه الشرب على ظهور البهائم
والحمير ويتحملون المشقة والتعب نتيجة طول المسافة بين القرى، وبين أسفل الوادي، ناهيك
عما يتعرضون له من مخاطر متواصلة، لأن منطقتنا جبلية وعرة الطرق وكثيرة الحيود.. أما
بالنسبة لماء الغسيل وسقي الزراعة فنحن نستخدم المياه الراكدة في البرك التي تمتلئ
في مواسم الأمطار.
أنابيب
جرفتها السيول
الحاج
يحيى الأكوع أحد أعيان المنطقة يحكي بمرارة طول انتظار الأهالي للمشروع قائلاً: ثلاثون
سنة منذ بداية إنشاء المشروع ولم يتغير أي شيء، فما زالت معاناة الوصول إلى شربة الماء
مستمرة، ومشروع المياه الذي كلف الحكومة ملايين الريالات لم يشتغل حتى لساعة واحدة
يمر فيها الماء في أنابيب المشروع الموصلة إلى كل قرية ولم يرو ظمأ أي فرد من أهالي
المنطقة إلى الآن.
وأضاف:
كان المشروع في جهة اسمها مشاريع المرتفعات الوسطى ثم انتقل إلى وزارة الزراعة والآن
في الهيئة العامة لمشاريع مياه الريف، وهكذا تداولوا بالمشروع مداولة وكل هذه الجهات
لم تحقق أي شيء يذكر، فمن بعد أن حفروا الآبار ومدوا الأنابيب وبنوا الخزانات في مناطق
تمركز القرى المستفيدة تركوا المشروع سنة بعد سنة وهم يلهون الأهالي بوعودهم الكاذبة،
واسترسل في ذكر أسماء المختصين والمهندسين الذين تعاقبوا على المشروع.
وأكد الأكوع
أنه لا توجد مشكلة تقف عائقاً أمام المشروع وقال: لا يوجد أي فرد يعترض على المشروع،
بل أن كل الناس في القرى يحلمون بيوم وصول النعمة الجليلة إليهم وليس هناك أي مشاكل
من قريب أو من بعيد، وإنما المشكلة الأساسية في الجهة المختصة التي فشلت في استكمال
المشروع رغم أن الماء موجود في منطقة قاع بكيل بشكل كاف لكل المنطقة.
وأضاف
بأن هناك ثلاثة مخاليف يفترض أن تستفيد من هذا المشروع وهي عزلة ذي تار وعزلة جبل السوق
وعزلة بني سلامة، وفي كل عزلة أكثر من ثلاثين قرية وعلى الأقل هناك خمسون ألف مستفيد،
(بحسب تقديره الشخصي).
وأوضح
أن المشروع بحاجة إلى ترميم لأن الأنابيب أصبحت متهالكة بحكم التقادم الزمني وبعضها
انكسرت والبعض الآخر فقدت جراء السيول. واختتم الأكوع بمناشدة رئيس الجمهورية بضرورة
تنفيذ المشروع وأحياء المنقطة به لكونه مصلحة عامة بها يحيا الناس جميعاً، متمنياً
على الحكومة أن تكون وفية مع منطقته التي وهبت ثلث أبنائها شهداء في الحروب المتعددة،
فبعض الأسر فيها ثلاثة أو أربعة شهداء ضحوا في سبيل الوطن.
ثلاثين
عاما من المعاناة
أما الأخ
أحمد محمد جحاف من أهالي منطقة ظلماء فيقول أن الناس قد وصلوا إلى درجة كبيرة من الضيق
نتيجة انتظارهم حتى أن اليأس بدأ يدب في نفوسهم، لأن ثلاثين سنة مدة كافية لأن يتم
فيها حفر بئر عميق يصل إلى الجهة الأخرى من
الكرة الأرضية.
وأوضح
بأن معاناة الناس في جميع قرى المنطقة معاناة واحدة، وهي تزداد صعوبة في فصل الشتاء،
لأن الناس تنقل ماء الشرب في عبوات صغيرة على ظهور الدواب من مناطق بعيدة تبعد عشرة
كيلو مترات عن قراهم، وقال يجب على الدولة أن لا تنسى تضحيات المنطقة من المعاقين أثناء
دفاعهم عن الثورة والجمهورية والوحدة، أما الشهداء فلا نستطيع تعدادهم ومن المؤسف أن
ترى المعاقين وأسرهم وليس لديهم ما يروي عطشهم.
وأضاف:
"مشروع المياه أهم من مشروع الكهرباء، لأن الماء أساس الحياة، وإذا روينا من الماء
مستعدين نجلس بدون كهرباء لأننا لن نموت من الظلام"، على حد قوله.
وناشد
جحاف كل المسؤولين في المحافظة والحكومة أن يزوروا المنطقة حتى من باب تمتيع النظر
وألا يكونوا كبعض المسؤولين الذين يمرون في طريق المنطقة بسرعة دون أن يعرفوا عنها
أي شيء.
توجيهات
وأوامر
يمتلك
المشروع ملفاً ضخماً من الأوامر والتوجيهات الصادرة في أعوام مختلفة والقاضية بسرعة
استكمال تنفيذ المشروع لأهميته بدءاً بتوجيهات رئيس الجمهورية، التي كان أولها في
13/12/1980، والثاني في 22/10/1982، والثالث في 31/12/1988، والرابع في 25/9/1996م.
وبالإضافة
إلى التوجيهات الرئاسية، تأتي توجيهات رؤساء الوزراء المتعاقبين، بدءا بتوجيهات الدكتور
عبد الكريم الإرياني رئيس الوزراء الصادرة في 1/11/1982، ودولة الأستاذ عبد العزيز
عبد الغني رئيس الوزراء في 3/2/1996، فضلا عن الأوامر الوزارية، والمخططات التنفيذية،
والمراسلات الإدارية بين الجهات المختصة وإدارة المشروع وغيرها..
وإلى أن
تجد هذه التوجيهات طريقها للتنفيذ، سيبقى أهالي المنطقة يطمحون إلى شربة ماء نظيفة،
ما زالوا يحلمون بها منذ أكثر من ثلاثين عاما، والخوف يراودهم من أن يورثوا هذا الحلم
لأجيالهم القادمة..