Saturday, July 17, 2010

عمالة الأطفال .. حكايات مؤلمة تشكو القسوة


عمالة الأطفال .. حكايات مؤلمة تشكو القسوة
السبت , 17 يوليو 2010 م
في زيارة استطلاعية لمركز إعادة تأهيل الأطفال العاملين بالأمانة
عندما تقسو الحياة ويتخلى الآباء يتحول الأطفال مبكرا لأرباب أسر
استطلاع/ أحمد القمري
تواجه اليمن كغيرها من دول العالم الثالث تحدياً كبيراً يتمثل في تفشي ظاهرة عمالة الأطفال وانعكاساتها السلبية على الأسرة والمجتمع، حيث أن مشكلة عمالة الأطفال في اليمن ليست وليدة اللحظة لأنها تجتر فصولاً من التقصير الرسمي والمجتمعي نتيجة ضعف الرؤية المستقبلية وعدم الحرص على معالجة المشكلة في بدايتها ما يؤدي إلى تفاقم آثارها مما يقلل من فرص النجاح ولو بشكل محدود في مكافحتها، إذ أن ارتفاع معدلات النمو السكاني السريع وتزايد نسبة البطالة والأمية واتساع رقعة الفقر تعد من الدوافع الأساسية لخروج الأطفال إلى سوق العمل، ولا شك بأن تدفق الأطفال المستمر يشكل خطراً كبيراً على الطفولة والمجتمع وينذر بمستقبل مخيف.
مشاهد من الأمانة
تكشف دراسة حديثة أن ظاهرة الأطفال العاملين تمثل مظهراً من مظاهر قصور السياسات التنموية وتحدياً لبرامج وخطط التنمية البشرية المستقبلية، كون الأطفال العاملين بشكل عام يتعرضون لظروف ومخاطر تجعلهم أقل قدرة على المشاركة في التنمية مستقبلاً، ويرى أحد الباحثين أن القضاء على ظاهرة عمالة الأطفال يعتبر أمراً مستحيلاً في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة في المجتمع اليمني.
وفي أمانة العاصمة تتجلى هذه الظاهرة بهول مأساتها، حيث يمكن مشاهدة كثير من الأطفال العاملين يجوبون الأسواق والشوارع التي ألفوها وألفتهم حاملين ما يقدر عليه ذلك الجسد النحيل من السلع المختلفة، وهنا يصبح الطفل اليمني رب أسرة من طفولته يحمل هموم المعيشة كغيره من الكبار.
 ولا شك بأن ظروف الحياة القاسية أجبرت كل الأطفال على العمل والبحث عن لقمة العيش لهم ولأسرهم، ومن خلال زيارتنا لمركز إعادة تأهيل الأطفال العاملين بأمانة العاصمة وقفنا على حقيقة الأمر، إذ التقيت ببعض الأطفال العاملين فوجدت أن ظروفهم وقصصهم متشابهة إلى حد كبير، فكثير من الآباء يلقي على كاهل أبنائه بالمسؤولية الكاملة ويخلد هو للراحة والنوم في بيته، وبعضهم الآخر ضحايا للتفكك الأسري وأسباب أخرى.
تركنا أبونا
الأخوان فواز وسليمان سنان فارع الدعكري، طفلان قدما من وصاب العالي، حدثنا فواز – 14 عاماً في البداية أنه كان يبيع مواداً منزلية في سوق شميلة، معللاً خروجه للعمل بسبب الفقر، فلديه سبعة أخوة وكلهم مازالوا صغار السن، وهو الثالث بين إخوته، ودخل سوق العمل هو وأخوه سليمان (13 سنة) لأن أباهم تركهم ومضى لبناء عش زوجي جديد مع امرأة غير والدتهم.
يحكي فواز قصة التحاقه بالمركز على يد أحد المدرسين فيه، ويطمح الآن أن يكون في المستقبل ممثلاً أو لاعب كرة قدم، ويتمنى لو يتمكن كل الأطفال العاملين في أمانة العاصمة الذهاب إلى المركز ومواصلة الدراسة.
في محل
أما سليمان فيقول أنه كان يعمل في حديقة السبعين، وأن أخاه فواز كان سبباً في التحاقه بالمركز، ويتذكر قائلاً: عندما جاءوا من المركز لأخي فواز كنا نقول أنهم خطفوه ولن يرجع إلى البيت، لكن أخي فواز رجع يبشرنا بأن هناك مركزاً يقدم خدمات للأطفال مثلنا، فطمأننا.
 ويضيف أن المركز نعمة كبيرة استفاد منه كثيراً في جوانب عديدة منها التعليم واللعب والأنشطة الرياضية والثقافية والمكتبة، وفي جوانب الإنشاد والموسيقى.
وعن سبب ذهابهم لسوق العمل يقول سليمان: تزوج أبي "حبه ثاني" بعد طلاق والدتي ولهذا السبب خرجت أنا وأخي نطلب الله، لأنه لم يعد هناك من يشقي علينا، فأخي فواز يشتغل في محل من أجل يقضوا الديون التي علينا، وأنا أشتغل من أجل قيمة المصاريف الضرورية.
بعت ايسكريم
الطفلة جيهان حسن التركي عمرها 10 سنوات، أخبرتنا أنها جاءت إلى المركز عن طريق بنت الجيران التي سبقتها بالالتحاق إلى المركز، وأقنعت والدها جيهان بفوائد المركز وأوضحت أنها كانت تبيع ايسكريم بباب المدرسة وقالت: والدي قال لي ضروري نشتغل كلنا أي حاجة وأنا فكرت واخترت بيع السكريم.
وأوضحت أن أباها دفعها للعمل لأن ليس لديه فلوس يصرف عليها وعلى أخواتها، لأن أباها متزوج امرأتين، الأولى والدتها ووالدة سبعة أخوة وخمس بنات والثانية لديها ولد، واختتمت بالقول كل الأطفال الذين يعملون من أجل أن يأكلوا هم وأسرهم.
أبيع أدوات منزلية
الطفل نسيم البسيس - 13 عاماً وهو من منطقة وصاب، كان يعمل في حديقة السبعين ويدرس الآن في الصف السابع: يقول: أنا كنت أطلب الله أبيع أدوات منزلية في حديقة السبعين، وأتوا من المركز وأخذوني وسجلوني، معللاً خروجه للعمل رغم صغر سنه أن الظروف الصعبة داخل البيت أجبرته على العمل ليساعد أسرته في قيمة المصاريف.
ووصف مستواه قبل دخوله المركز بـ"الطسيس" لأنه رسب في الصف الرابع عامين متتاليين والآن يعرف القراءة والكتابة، وتعلم الرياضيات والإنشاء في المركز.
في سوق الخضار
الطفل محمد عبدالله العبادي من منطقة بني مطر 13 سنة، لديه سبعة أخوة ، انضم إلى المركز قبل سنتين وكان يعمل بعربية في سوق الخضار لتحميل مقاضي الناس، وأشار إلى أن أباه لم يسمح له بالدراسة في وقت العمل، وكان يقول له في حزم "سير اطلب الله، من عيصرف على البيت؟ فيما يكون الأب راقد في البيت كما قال.
ويحلم بأن يصبح ممثلاً في المستقبل لأنه تعلم في المركز كيف يمثل ويقلد الممثلين، واختتم قائلاً: أبي مسكين جالس راقداً في البيت إلى اليوم حتى أن أخي الكبير يعمل عسكري ويساعد أبي ويعطيه مبلغ شهري من راتبه ليصرف علينا، لكن أبي يأكلها ويصرفها في القات والشقارة وطز فينا، لكن أنا عندما كنت اشتغل كنت اشتري المقاضي وأوصلها إلى البيت، ولم أعط أبي أي ريال لكي لا يضيعها، وبعد أن سجلت في المركز لم أعد أعمل.
قسوة الحياة
عند زيارتنا للمركز التقينا بالأخت أم عمر 35 عاماً ربة بيت وهي ولية أمر لأطفال عاملين، لديها 11 طفلاً منهم خمسة عاملين، وهي تحمل الجنسية المصرية من صعيد مصر، متزوجة بيمني، حيث كان زوجها يعمل في السعودية مع أبيها الذي كان يعمل مقاولاً وبعدها أخذها إلى قريته في الأهنوم ترعى الأغنام وتحطب كما تقول، وانتقلا فيما بعد إلى صنعاء بعد أن كبر العيال وجلس الأب في البيت من يومه.
وتبرر أم عمر سبب دفعها لأبنائها لسوق العمل بالظروف الصعبة، وتقول: عندنا أطفال كثير وأبوهم لا يعمل وهو غير متعلم، حتى أن الأربعة الكبار لم يواصلوا تعليمهم، وتوقفوا عند الصف السادس الابتدائي فاضطرينا إلى أن نتركهم يعملوا من أجل مصاريف البيت.
 وعن الأعمال التي يزاولها أطفالها قالت أن أربعة منهم يبيعون القات في السوق ولديها طفل يبيع جرائد وطفل آخر يجمع قوارير الصحة والعلب البلاستيكية من الشوارع ويبيعها، هذا بالنسبة للأبناء، أما البنات فواحدة منهن تنقش النساء والبنات في الأفراح والبنت الأخرى تصلح الليف وتبيعها بالجملة والتجزئة للجيران والمحلات، وبالنسبة لساعات العمل قالت قد تمتد ساعات العمل إلى أربع ساعات في اليوم، هذا بالنسبة للذي يجمع القوارير والذي يبيع الجرائد حتى يكمل بيعها، أما بالنسبة لبائعي القات من أبنائها فهم دائماً يتأخرون في العودة إلى البيت، وفي يوم الخميس وأيام الأعراس يأتي إلى البيت بعض الناس في وقت متأخر من الليل ويشترون منهم القات المتبقي، وأكدت أم عمر أن زوجها في كامل صحته ولكنه لا يقوم بأي عمل وينتظر الفلوس من عند عياله.
وتوجه أم عمر رسالة إلى كل الأطفال العاملين بضرورة أن يكملوا ويواصلوا دراستهم إلى جانب عملهم من أجل أكلهم وشربهم وملابسهم، لكن عليهم أن لا يعملوا من أجل أبوهم يخزن القات وأمهم تتفرط كما تقول.
أسباب المشكلة
أما الأخت ردينه علي، وتعمل أخصائية اجتماعية في المركز فتقول: لا شك أن ظاهرة عمالة الأطفال ليست بجديدة على المجتمع اليمني، ولكن الملاحظ زيادتها بشكل كبير في الفترة الأخيرة واستخدام الأطفال في أعمال خطيرة على صحتهم وحياتهم أحياناً، وأشارت إلى أن الفقر المدقع يجبر أهالي الأطفال لدفعهم إلى سوق العمل منذ سن مبكر ولكنهم لم يفكروا كيف سيعمل هذا الطفل بجسده النحيل من حرارة الشمس وقسوة البرد ويتعرض لكافة أشكال المخاطر التي توجد في الشوارع.
ونوهت إلى أن أهالي الأطفال العاملين هم الحجر العثرة التي تقف في طريق مستقبل أبنائهم، وأن من أبرز المآسي التي تظهر على هذه الفئة حرمانهم من اللعب والمعاملة الحسنة كطفل.
وقالت: تتمثل أبرز المشاكل في عدم تعاون الأهالي في التمكين من إعادة تأهيل أطفالهم علمياً ونفسياً واجتماعياً، حيث أنهم يقومون بإلزام أطفالهم بالعمل الإضافي لزيادة المردود المادي ولا ينظرون إلى عواقب هذا التصرف، فهمهم الوحيد الاستفادة المالية فقط.
وأضافت بأن الطفل يأتي إلى المركز بحالة مزرية من جميع النواحي وغير متعاون وخائفاً وقلقاً، لكننا نحاول أن نتجاوز تلك الإشكاليات بحكمة وصبر، والجميل أن هؤلاء الأطفال بعد تلقيهم للدروس في المركز يكونون أحرص على الحضور والالتزام وعدم التغيب حتى ولو أدى ذلك الالتزام إلى تضررهم من أسرهم نتيجة لنقص المردود المالي المترتب على التزامهم.
بحاجة للمساندة
من جانبه تحدث مسئول الأنشطة بالمركز ناصر الدبا بقوله: نقوم بتنفيذ عدد من الأنشطة التي تحفز الأطفال على ترك العمالة، خاصة وأنهم يمارسون في المركز أنشطة كانوا محرمون منها تماماً مثل الرياضة والمسرح والإنشاد والكشافة، وبالتالي يعوضهم المركز بها وهي تجذب الأطفال العاملين للالتحاق بالمركز.
وأكد على امتلاك الأطفال العاملين قدرات إبداعية كبيرة قد لا توجد في أطفال كثير، أو حتى لدى الأطفال العاديين، وقال: هؤلاء الأطفال بحاجة إلى من يقف إلى جوارهم ويأخذ بأيديهم ليخرج إبداعاتهم إلى النور، ولو وجد من يأخذ بأيديهم لكانوا أفضل و لكانت إبداعاتهم أفضل بكثير من قناة طيور الجنة في الإنشاد.
أطفال لا عمال
مديرة مركز إعادة تأهيل الأطفال العاملين بأمانة العاصمة انتصار الرداعي أوضحت أن المركز أنشئ في 28/ 12/2002 لاستقبال هذه الفئة من الأطفال ويتبع إدارياً أمانة العاصمة، وأشارت إلى أن أغلب طاقم العمل في المركز أخصائيات نفسيات لأنه يقدم خدمات التأهيل النفسي والعلاجي والقانوني، بالإضافة إلى برامج العودة إلى المدارس ومناهج التقوية المدرسية والدورات التدريبية والتوعوية التي تهدف إلى تعديل السلوك في الأطفال العاملين.
وقالت: يعتبر المركز رديفاً للمدرسة وكأنه البيت، فالمركز يقوم بتسجيل الطفل العامل ويعطيه الحقيبة المدرسية والزي المدرسي ويعطيه تغذية بسيطة يأخذها إلى المدرسة ويتابع مستواه ويسعى لحل مشاكله سواء في المدرسة أو في الجهات الأمنية وغيرها.
وأوضحت الرداعي أن آلية التسجيل في المركز تعتمد على النزول الميداني إلى الأسواق والشوارع ويتم التواصل مع أسر الأطفال وتعبئة الاستمارة الخاصة بالتسجيل والتي يتم فيها التأكد أن الطفل يعمل مجبراً لإعالة أسرته وليس عن طريق الموروث الاجتماعي.
وأضافت قائلة: يصل عدد الأطفال العاملين الذين يرعاهم المركز في الفترة الحالية (219) طفلا وطفلة، وهذا العدد مقارنة بأعداد الأطفال العاملين في الشوارع يعد ضئيلاً جداً ولا وجه للمقارنة مطلقاً.
وتمنت أن تقوم كل الجهات الرسمية، وخاصة الأمنية بمساعدة المركز في مواجهة المشكلة ومعالجتها بالزام الأطفال العاملين بالالتحاق بالمركز كما فعلت بعض الدول التي اتخذت قراراً على أرباب العمل بأن لا يدعوا الأطفال يعملون لديهم وإلا اتخذت إجراءات ضدهم قد تصل إلى إقفال المتجر.
وقالت: يعتبر الفقر من العوامل الرئيسية لعمالة الأطفال، بالإضافة إلى أسلوب التعليم السائد والمعاملة الخاطئة من بعض المدرسين، فهناك كثير من الأطفال تركوا المدرسة لعدم امتلاكهم للزي المدرسي أو الدفاتر، والمدرسون لا يراعون الظروف القاسية وفي هذه الحالة ينسحب الطفل من المدرسة ويذهب لسوق العمل، بالإضافة إلى العرف السائد في ثقافتنا بضرورة عمل الأطفال من أجل أن يعتمدوا على أنفسهم ولا ننسى الأمية المنتشرة في أوساط هذه الفئة.
الدمج الاجتماعي
وأشارت إلى أن بعض السلوكيات ينقلها الطفل من الشارع إلى المركز مثل الألفاظ السيئة والعدوانية وحب الذات، وبعض الأطفال يشعر بالدونية، لذا يعمل المركز على دمجهم بين الأسر وأخذهم إلى المدارس الخاصة وإلى النوادي للاختلاط بالآخرين.
وقالت: لا نستطيع أن نمنع عمالة الأطفال نهائياً ولكن نهدف إلى تقليل ساعات العمل أولاً، ونطمح إلى أن نؤهل الأطفال تأهيلاً مهنياً بغرض التوظيف حتى في وظائف بسيطة تكفل لهم الاستقرار والأمان، وهدفنا في تعليمهم أن لا ينسحبوا من التعليم في الفصول الأساسية، إذ لا بد أن يعرفوا القراءة والكتابة ويتعلموا مهنة أو حرفة تناسب أعمارهم وبنيتهم.
وأضافت: هناك أطفال يعملون إلى أوقات متأخرة في الليل وهذا ممنوع في القانون وهم العاملون في مصانع الياجور ومحاسبو الباصات وبائعو القات وفي الورشات وغيرها.
وترى الرداعي أن على الدولة بأجهزتها الأمنية منع ذلك، والالتزام بالتطبيق الصارم للتشريعات والقوانين المناهضة لعمالة الأطفال الصادرة في كل الجهات والمرافق .

No comments:

Post a Comment