Monday, June 27, 2011

لماذا أوقفت الحكومة الهولندية دعمها للمتحف الوطني؟!


لماذا أوقفت الحكومة الهولندية دعمها للمتحف الوطني؟!
الجنداري حمل شركة "توتال ديزاين" مسؤولية تعثر المشروع
الإثنين , 27 يونيو 2011 م
الغد/ أحمد القمري
تمتلك اليمن إرثا حضاريا كبيرا، تمتد جذوره إلى عصور موغلة في التاريخ، وجزء من تلك الآثار بمختلف عصورها التاريخية موجودة في المتحف الوطني بصنعاء، الذي تم افتتاحه عام 1971م، وكان مقره حينذاك في مبنى دار الشكر بالقرب من ميدان التحرير، وبحكم توسع المتحف، وزيادة قطعه الأثرية تم نقله إلى مبنى دار السعادة المجاور للمبنى السابق، لكونه أكبر حجما واتساعا للكنوز الأثرية اليمنية المتنوعة.
ونظرا لكون مقر المتحف عبارة عن مبنى تاريخي، فقد خضع لعملية ترميم وصيانة بناء على دعم مقدم من الحكومة الهولندية، التي مولت مشروع ترميم المتحف الوطني، الذي استمر لمدة خمس سنوات بين عامي 1997، و2001م.
غير أن هذا المشروع الشهير لم يستكمل وفقا للخطة التي رسمت له، فرغم انقضاء المدة المحددة للمشروع، ظلت هناك الكثير من علامات الاستفهام، حول أسباب تعثر المشروع وعدم اكتماله، وحول أسباب توقف الحكومة الهولندية عن تمويله، وغيرها من التساؤلات التي حاولت "الغد" البحث عن إجابات لها، وطرحتها على عدد من المسئولين على رأسهم وزير الثقافة الدكتور محمد المفلحي، الذي سخر من محاولة فتح ملف هذه القضية، وقال بأن هذا المشروع بدأ تمويله قبل سنوات طويلة من توليه منصب وزير الثقافة، ووصف السؤال عن مصير هذا المشروع بأنه غير ذي معنى، محيلا جميع هذه التساؤلات إلى الهيئة العامة للآثار والمتاحف وإلى أمين عام المتحف الوطني، للإجابة عليها.
لم تختلف إجابة رئيس الهيئة العامة للآثار والمتاحف، الدكتور عبد الله باوزير، عن إجابات وزير الثقافة، فهو الآخر أكد بأن هذا المشروع قد انتهى تمويله قبل 8 سنوات من تعيينه في الهيئة، مشيرا إلى أنه وبحكم عدم معاصرته للمشروع، ليس لديه أي معلومات عنه، مؤكدا بأن الشخص الوحيد الذي يستطيع الإجابة على هذه التساؤلات هو أمين عام المتحف الوطني، الذي عاصر المشروع، ولديه المعلومات الكاملة عنه.
مدير عام المتاحف في الهيئة العامة للآثار، أحمد شجاع الدين، هو الآخر لا يعلم شيئا عن المشروع، مشيرا إلى أنه ومنذ تعيينه في منصبه، وإلى الآن، لا يسمح له بالتدخل في عمل المتاحف، وقال "أصبحت مديرا عاما للمتاحف بلا متحف، ولا أعرف شيئا عن المشروع الهولندي"، لأن المتاحف لا توافي الهيئة بأي معلومات، إلى درجة أن وضع إدارته أصبح أشبه بالإدارة المجمدة، والمسلوبة الاختصاصات، منذ أكثر من 5 سنوات مضت.
وفي ظل هذه الأوضاع، أصبح أمين عام المتحف الوطني بصنعاء، عبد العزيز الجنداري، هو الشخص الوحيد الذي يعرف خفايا هذا المشروع، حيث أكد بأن بداية التعاون الثقافي بين المتحف والحكومة الهولندية، سنة 1977م، عندما قررت الحكومة الهولندية رعاية ودعم المتحف بناء على محادثات جرت بينها وبين قيادة الهيئة العامة للآثار ودور الكتب حينها، وعلى ضوئها وصلت إلى صنعاء خبيرة الآثار الدكتورة سلمى الراضي، لمواصلة تسجيل وتوثيق الكنوز الأثرية في اليمن، والعمل على تطوير صالات العرض في المتحف الوطني، واستمر عملها حتى العام 1988م، وخلال فترة عملها تم الاتفاق على توسيع مساهمة الحكومة الهولندية في مشروع دعم المتحف، وتم إيفاد نائب مدير المتحف الإقليمي بمدينة أمستردام الدكتور كارل فان ليفين، عام 1984م، للعمل في المتحف الوطني بصنعاء مع الدكتورة سلمى الراضي وفريق المتحف، لتطوير قسم التراث في المتحف.
وأضاف الجنداري بأنه ونظرا للتطور الذي حدث في المتحف خلال هذه الفترة، وازدياد قطعه الأثرية، سواء تلك المعروضة فيه أو المخزونة في مخازنه، تم نقل المعرض إلى مبنى دار السعادة المجاور للمقر السابق، لكونه أكبر وأكثر اتساعا، وتم حينها إعداد خطة لإعادة تأهيل المبنى وترميمه وإعداد وتجهيز صالات العرض فيه.
استمر الدعم الهولندي بعد ذلك، وكانت خطة الخبير الهولندي حينها أن يتم تخصيص الدور الرابع في المبنى الجديد للحياة البدوية في اليمن، وتمت مراجعة هذه الفكرة مع السفارة الهولندية، التي رأت آنذاك، أن يستفاد من المنحة الهولندية في إعادة تأهيل المقر السابق، ليكون متحفا للتراث الشعبي، كأول متحف متخصص في هذا المجال على مستوى اليمن، ووافق الجانب الهولندي على المشروع، وبدأ الجانب اليمني في ترميم المبنى وإعادة تأهيله بالطرق التقليدية مع إعداد وتجهيز قاعات للعرض في أدواره المختلفة.
وأكد الجنداري بأن الدعم الهولندي توقف بعد ذلك لعدة سنوات، ولكن المفاوضات والمراسلات بين الجانبين لم تتوقف، حتى وصلت إلى اليمن بعثة هولندية تضم خبراء متاحف ومصممون لدراسة إمكانية استمرار المشروع ووضع خطة واضحة لتطوير وتحسين المتحف، حيث زارت هذه البعثة المتحف والهيئة العامة للآثار وناقشت مع المختصين رؤاهم لتطوير المتحف، وأعدت تقريرا بالتصورات المطلوبة للمشروع مع تدريب كادر المتحف، ووضعت ميزانية للمشروع بلغت 10 ملايين جلدر هولندي، ولكن السفارة الهولندية رأت بأن المبلغ كبير جدا، وكلفت لمراجعة المشروع الدكتورة سلمى الراضي، التي وضعت ميزانية له بمبلغ 5 ملايين جلدر هولندي.
 بعد ذلك تم توقيع ثنائية جديدة بين الحكومة اليمنية والحكومة الهولندية في ديسمبر 1997م، قضت باستئناف الدعم الهولندي لمشروع تطوير المتحف الوطني، لفترة خمس سنوات، بهدف إعادة تجديد وتحسين وتوسيع المعارض الدائمة والمؤقتة فيه، وتحسين وتوفير خدمات الزوار من كافيتريا وحمامات، وإخراج شكل المتحف بشكل جديد، بالإضافة إلى تدريب وتأهيل الكوادر العاملة فيه، على أن يقوم الجانب اليمني بترميم وإعادة تأهيل المباني التاريخية في مجمع المتحف وفقا للخطة المرسومة للمشروع.
وعلى ضوء ذلك أسندت السفارة الهولندية المشروع لشركة "توتال دايزين" الهولندية، بعد عملية مفاضلة بينها وبين المتحف الاستوائي بمدينة أمستردام، الذي عمل مع المتحف الوطني خلال المراحل السابقة، فيما تولت شركة "أربامينش" الهولندية مهمة تدريب كوادر المتحف، تحت إشراف شركة "توتال دازاين".
ووفقا لما هو معمول به في المشاريع التي تمولها السفارة الهولندية، تم تسليم المخصصات الممنوحة للمشروع، لمدير الشركة المنفذة، بناء على الميزانية التي يقدرها، ودون ضرورة إطلاع الجانب اليمني أو الموافقة عليها.
هذه الخطوات تلتها جلسات عمل بين قيادة الهيئة العامة للآثار، والمتحف الوطني، مع مدير الشركة المنفذة، لمناقشة ودراسة خطة العمل، ووفقا للجنداري فقد كانت أبرز الصعوبات التي واجهت المشروع حينها تتمثل في عدم توفر التمويل اللازم والكافي لإعادة تأهيل وترميم وصيانة المباني الخاصة بالمتحف خلال سنوات المشروع، ولذلك فقد تم اتخاذ خطوات لإنجاح المشروع، على رأسها إعداد دراسات للمباني المطلوب ترميمها، على حسب الوظيفة المقترحة لها، ولهذا الغرض تم تشكيل فريق هندسي استشاري يضم مهندسين من خارج المتحف للبدء في تنفيذ العمل المطلوب، كما تم وضع خطة لتدريب وتأهيل كادر المتحف في المرحلة الأولى من خلال استضافة خبراء متخصصين في علم المتاحف، بالإضافة إلى دورات في اللغة الإنجليزية، ودورات في الحاسب الآلي، أشرفت عليها مديرة التدريب والتأهيل في شركة "أربامينش" الهولندية، السيدة يوكا كيف، التي اعتمدت وسيلة التدريب في مجال التنظيم والتصور المستقبلي للهيكل التنظيمي للمتحف بعد التوسعة، من خلال مناقشة المتطلبات الجديدة عبر ورش عمل للعاملين في المتحف لتطوير معرفتهم ومهاراتهم.
أما المرحلة الثانية من التدريب فقد تم الانتقال إليها من خلال مشروع التدريب العملي، ضمن برنامج عملي لزيارة جمهورية مصر العربية للاستفادة من خبراتهم، حيث تم التواصل مع المجلس الأعلى للآثار المصرية، والتنسيق معها لإعداد برنامج لفريق عمل المتحف الوطني، اشتمل على زيارات للمتاحف المصرية، بالإضافة إلى الاستماع لعدد من المحاضرات حول الأعمال المتحفية كالتخزين والترميم والتوثيق والتسجيل الأثري وإعداد المعارض وغيرها.
بعد ذلك تمت مناقشة التصور الجديد للمعارض الدائمة للمتحف، وتم تشكيل لجنة استشارية علمية مكونة من الدكتور يوسف محمد عبد الله رئيس الهيئة العامة للآثار السابق، والدكتورة سلمى الراضي خبيرة الآثار، والدكتور بوكهارت مدير المعهد الألماني للآثار السابق، حيث تقوم هذه اللجنة بتقديم النصح والمشورة لفريق العمل الذي يرأسه مدير المتحف والمكلف باختيار مواضيع العرض الجديدة للمتحف الوطني.
كما تم عمل عروض للأعمال التي تنفذ في المشروع والتصورات الجديدة لسيناريو المعارض في مجلس الوزراء بحضور الحكومة، وأسفر ذلك العرض عن صدور قرار مجلس الوزراء رقم (191) لعام 2000م، الذي قضى برصد الميزانية السنوية المناسبة لمشروع المتحف، بالإضافة إلى تسليم الأراضي التابعة لجهات أخرى المحيطة بالمتحف لاستكمال بقية منشآت المشروع.
وأشار الجنداري إلى أنه وفي السنة الأخيرة للمشروع 2001م، طلبت السفارة الهولندية في صنعاء، من مدير المشروع الهولندي مشاركة الجانب اليمني في إعداد الميزانية للفترة المتبقية للمشروع، حيث أن إدارة المتحف الوطني لم تتمكن من الإطلاع على الخطط والتقارير التي كان يعدها مدير المشروع خلال سنوات تنفيذه، وكانت محل تساؤل من الجانب اليمني، وطالبت السفارة الجانب اليمني بتعديل تلك الميزانية بما يسمح للمشروع الاستفادة من المبالغ المتبقية من تمويل المشروع، غير أن مدير المشروع كان له رؤية أخرى، ما أدى إلى تحفظ الجانب اليمني على التوقيع على هذه الخطة، التي لا تعود بأي فائدة على مشروع المتحف، بقدر ما كانت مخصصة لمصروفات الإدارة الهولندية ما بين أجور مواصلات وتذاكر وغيرها.
ووفقا لإفادة الجنداري قررت السفارة الهولندية عقب ذلك تشكيل لجنة لتقييم أداء شركة "توتال ديزاين" الهولندية المنفذة للمشروع، وكانت اللجنة مكونة من خبراء متاحف من هولندا، بالإضافة إلى عالمين يمنيين هما الدكتور عبد الكريم الإرياني، والدكتور حسين العمري، حيث قامت اللجنة بمراجعة وثائق المشروع المقدمة من الشركة، وقدمت تقريرا مفصلا للسفارة الهولندية والهيئة العامة للآثار والمتحف الوطني، وعلى ضوئه قررت السفارة الهولندية إنهاء خدمات الشركة للفترة المتبقية من المشروع، وأسندت الأمر لهيئة الآثار والمتحف الوطني، لاستكمال المشروع، ولكن ورغم إنهاء خدمات الشركة كانت أعمال الشركة لم تنته بعد، فتوقف المشروع بسبب عدم استمرار الدعم.
 الآن وبعد مضي أكثر من 8 سنوات من تعثر المشروع، يؤكد الجنداري بأن النسبة الكبيرة التي تم إنجازها من المشروع تتمثل في جانب التدريب والتأهيل الذي تولته شركة "أربامينش"، وأما بقية المشروع فلم يتم استكمال تنفيذه، ومنذ ذلك الحين وإلى اليوم لم يعد هناك أي تعاون بين الحكومة الهولندية والمتحف الوطني بصنعاء.

No comments:

Post a Comment