سَدّ
"شاحك".. ذهب الماء، وامتلأ المكان قحلا
سُفكت
عليه الدماء فحرموا النعمة وغادرته الحياة
الأحد
, 23 يناير 2011 م
لم أكد
أصدق ما سمعته ذات مقيل عن الحال الذي وصل إليه سد "شاحك" التاريخي العريق،
فصورته البديعة حينما كان مليئاً بالبهجة وفائضاً بالخير المتدفق بما ينعش الحياة ويذكي
الأمل ويبعث الأمان، قد استعصت على النسيان في الذاكرة، ووقفت حائلاً دون استيعاب كل
تلك الأوصاف القاسية لحالة السد بعد بلوغه سن العجز في الوقت الراهن، وهو ما أثار فضولي
الصحفي للانتقال إلى المنطقة وزيارة السد بحثاً عن الحقيقة، وبقدر الفرحة من الوصول
فاجأني المنظر المثير للفزع بهول صدمته وعنفوان قسوته، لدرجة تبعث الشك "بأنه
ليس بسد شاحك" فلا مجال للمقارنة نهائياً بين ما كان عليه السد وما هو كائن الآن،
فالجفاف سيد المشهد الأليم، وذروة طاقته المائية لا تكفي لوضوء اثنين من المصلين، وعلى
الثالث التيمم بتربة أطلال السد الجافة أو الخاوية.
"الغد"
زارت المنطقة وناقشت الموضوع في التحقيق التالي..
الغد-
أحمد القمري
سد شاحك
أحد السدود المعروفة في تاريخ اليمن القديم، وقد تم تجديده وتوسعته حديثاً قبل أكثر
من عقدين من الزمان تقريباً، ويقع في منطقة بني سحام مديرية خولان التابعة لمحافظة
صنعاء، والمعروفة باحتوائها الزاخر للمعالم والشواهد الأثرية، منها الحصون والمقابر
الصخرية والتي تضم رفات بعض من الملوك الحميريين.
و كغيره
من السدود والحواجز المائية، يحظى "شاحك" بأهمية كبيرة في حياة اليمنيين
الأوائل، نظراً لشحة مصادر المياه في البيئة اليمنية.
ويوضح
الحاج يحيى القبيلي أحد سكان مدينة صنعاء هذه الأهمية قائلاً إنها نتيجة طبيعية، بحكم
الواقع الجغرافي المناخي الذي فرض الاعتماد على الأمطار الموسمية كمصدر أساسي لتلبية
الاحتياجات الإنسانية والحيوانية، بالإضافة إلى ري المدرجات والسهول الزراعية لإنتاج
المحاصيل المختلفة.
ويُعتبر
سد "شاحك" أحد السدود القديمة التي أنشئت في عهد الملوك الحميريين، ويكشف
مدى القدرة والخبرة التي كانوا يتمتعون بها، والقائمة على دراسة الموقع وتحديد مصادر
تغذيته المتمثلة بمجاري سيول الأمطار المتدفقة من المناطق التي تعلوه، ليصبح أحد أهم
المصادر المغذية للمياه الجوفية في حوض صنعاء بأكمله.
مطبات
ترحيبية
غادرتُ
العاصمة صنعاء، متوجها صوب السد العتيق، ليست المسافة طويلة، فالسد لا يبعُد عن العاصمة
سوى عشرين كيلو متراً تقريباً باتجاه الشرق، ولذا فقد كانت نصف ساعة أو أقل تكفي لاجتياز
المسافة، لولا كثرة المطبات المنتشرة بكثافة على امتداد الطريق الإسفلتي الذي تحول
بسببها إلى طريق ريفي وعر، حتى أنك لا تكاد تجتاز قريةً على جانبي الطريق إلا وتجد
أهلها قد تفانوا في إرساء المطبّ الذي يليق بهم، غير أن بعض تلك المطلبات ازداد حجمها
عن المطبات العادية، لتمثل حاجزاً يصعب تجاوزه، خصوصاً لسيارات التاكسي والتي تخوض
نوعاً من المغامرة والتحدي غير المتكافئ مع حاجز المطب، وحينها لا مناص من احتضانه
لها وتقبيل قاعدتها، كما لو أنه نوع جديد من أساليب الترحيب التي لم تكن مألوفة من
قبل!.
"شاحك"
بين حالين
يبدو المشهد
مشوقاً كلما طويت جزءاً من المسافة، فجو المنطقة يجعلك تحس بعراقة التاريخ وخصوبة الأرض
وفطنة الإنسان اليمني في تغلبه على قسوة الطبيعة وتقلباتها المناخية، وترتفع وتيرة
الشوق لاكتشاف الحقيقة عند الوصول إلى قرية "تنعم" المحمية بجبلين شاهقين
تفصل بينهما ثغرة مرتفعة هي الطريق المؤدي إلى السد، حيث يصف الدكتور عماد العيني
(من أهالي قرية الحمامي القريبه من السد) حالته بالمزرية لاختلافها عما كانت عليه قبل
سنوات قليلة.
يقول الدكتور
العيني إن المنطقة كانت حتى وقت قريب، بسبب وجود السد، منتعشة بمئات الزائرين، الذين
كانوا يأتون لمشاهدته، خصوصاً أيام الإجازات الأسبوعية والعيدية ودورات الأعراس، باعتباره
متنزهاً جميلاً لا تقنع العيون من متعة النظر إليه.
لقد انتقل
السد إلى حالة مغايرة لما كان عليه بشكل تدريجي، حيث هبط منسوب المياه فيه حتى أصبح
خالياً، فانقطع الزائرون لاختفاء أسباب زيارتهم.
ويضيف
العيني: لقد سمعنا بالخلاف الذي نشب بين أهل المنطقة حول الماء، ما أدى إلى قيام حرب
سالت فيها دماء ضحايا من كلا الطرفين المتنازعين نتيجة للجهل وعدم الوعي بأهمية هذه
النعمة العظيمة التي جاد بها الخالق عز وجل فحرموا منها جميعاً.
بداية
الخلاف
يقول الحاج
عبدالله دهاق من أهالي قرية تنعم إن مشروع تجديد السد كان ممولاً من الاتحاد السوفيتي
قبل تفككه من ضمن المساعدات المقدمة لليمن في ذلك الوقت، وقد تم إنجازه في فترة تزيد
عن سنتين، وجاؤوا إلى المنطقة بالمعدات الضخمة القادرة على نحت الجبال والصخور الكبيرة،
مشيراً إلى أن بداية الخلاف بين أهالي قريتي (شاحك وتنعم) كان قبل فترة من بداية مشروع
تجديد السد، وقال: لقد ذهب أهل قرية شاحك ومعهم الأثوار والبقر ليعقروا رؤوسها عند
الأخ الرئيس من أجل أن يلغي إقامة السد في مكانه الحالي، ونحن تبعناهم إليه لنعقر مثلهم
ليقر إقامته مكان السد القديم في أموالنا التي تنازلنا عنها في حينه أمام الأخ الرئيس،
وتمت مباشرة العمل في أموال قرية تنعم والرئيس يؤكد ما قلته لأنه زار السد أكثر من
عشرين مرة.
وعن المشكلة
بين القريتين حول مياه السد أكد دهاق بأنهم لم يمنعوا أحداً من السقي عندما كان السد
مليئاً، وقال أن أهل شاحك جاؤوا بالوايتات الكبيرة لملئها بغرض بيعها، وعندما نضب الماء
أرادوا حفر آبار في قعر السعد ولكننا منعناهم من الحفر وبيع الماء، ولكنهم تمادوا حتى
"قرح البندق" بيننا وبينهم. واختتم قائلاً: الحقيقة بكل أمانه هي أن الاختلاف
والكبر و"البوقة" قد رفعت نعمة الله التي تستوجب الحمد والشكر للمتفضل بها
وليس القتال والاختلاف عليها.
دماء
المقتولين التي تسببت في جفاف السد
من جانبه
أوضح على فاخر (من أهالي قرية شاحك) بأن السد يقع في منطقة الحد بين قريتي شاحك وتنعم،
ولكنه في أموال أهل شاحك، وقال بأن المشكلة بدأت عندما جاء أهل قرية تنعم، لإيصال مشروع
مياه من السد لمسجد قريتهم، وحينها انقسم أهالي شاحك إلى فريقين، الأول يمثله الشباب
الذين مانعوا، والثاني يمثله كبار السن والعقال الذين سمحوا لهم، وقالوا بأنه لا يجوز
أن يتركوهم يبحثون عن الماء والسد مليء، ومن ذلك الحين سمح لهم بمشروع تلو آخر، حتى
بلغت عشرة مشاريع، استنزفت مياه السد، الذي شحت مياهه وبدأ أهالي شاحك للنزول لشفط
الماء بالمواطير، غير أن أهالي تنعم منعوهم، وادعوا ملكيتهم للسد، فثارت الحرب بين
القريتين.
وأشار
فاخر إلى أن الحرب استمرت عشرين يوماً متواصلة، وأسفرت عن قتل أحد أهل قرية تنعم، ثم
توقفت لأيام، وعادت من جديد لفترة ثانية قتل فيها أحد أبناء شاحك، ثم توقفت الحرب،
إلا أن حالة الاستنفار ظلت مستمرة لأربع سنوات تقريباً، وهي لا تخلو من التهديدات والمغازي
الليلية تارة بتارة بين القريتين.
وأوضح
فاخر أن المشايخ الذين جاؤوا لإنهاء النزاع لم يعملوا أي شيء، وقال بلا مشايخ وصلنا
إلى القناعة بالصلح وتعافينا فيما بيننا "رأس برأس"، يعني مقتول بدل مقتول،
حيث جاء ابن المقتول الذي من تنعم وقال لنا لا داعي لسفك المزيد من الدماء، فقد يقتل
أحدكم وتظنوا أني قتلته ثأراً لأبي، فتنازل عن دم والده، ونحن تنازلنا بدورنا عن دم
مقتولنا، والآن ليس بيننا خلاف.
وأضاف
فاخر بأن كثيرا من الأهالي يعتقدون بأن دم المقتولين هو السبب في جفاف السد، حتى أن
المنطقة تمطر بكاملها إلا مساقي السد، وإن دخلت إليه القليل من مياه السيل يهب الناس
لشفطه بالمواطير، ولا يستقر الماء فيه لساعات، مشيراً إلى أن السد توسع وغطى الكثير
من الأموال الزراعية، وقال: وعدنا الرئيس بالتعويض وأمر بصرف ثلاثة آلاف قدح بر سنوياً
لقرية شاحك، وقد استلمنا الحوالة لمدة ثلاث
سنوات متواصلة، وانقطعت بعد ذلك برغم أن توجيه الرئيس كان لمدة عشر سنوات، ومن خلال
صحيفتكم نناشد الأخ الرئيس صرف ما وعدنا به والتحقيق مع من يعرقل قوت الناس المحتاجين.
أما الحاج
صالح سنان (من أهل قرية تنعم) فقد شكا بمرارة من الظلم الذي حل بهم، وقال: نحن مظلومون،
فأهل شاحك استفادوا أكثر منا وقد تم تعويضهم عن أموالهم التي غطاها السد ونحن لم يعوضنا
أحد، مشيراً إلى أن الدولة كانت تنوي التعويض في حينه عن الأموال التي تلفت جراء بناء
السد، وقال كانوا سيعوضوننا بمبلغ ألف ريال في اللبنة المزروعة حبوباً وألفي ريال في
اللبنة المزروعة عنباً، ولكن أصحابنا اختلفوا وتزاحموا فيما بينهم مما أدى إلى ضياع
حقوقنا.
No comments:
Post a Comment