Sunday, February 19, 2012

المعارضة تغضب والسلطة تردع


المعارضة تغضب والسلطة تردع
تأزم الحوار الوطني قبل أن ينهي المشكل السياسي
احمد القمري
بين (غضب) المعارضة و(ردع) السلطة تتكامل حلقات الأزمة السياسية بين قطبي (السلطة والمعارضة) في اليمن، فيما يبدو المواطن غير مهتمٍ بما يدور في أروقتها من مناورات سياسية أو مكترث بها، فهو منشغل بمتابعة أسعار السلع الغذائية، ومهموم بتوفير الحد الأدنى من القوت الضروري لاستمرار الحياة والعيش في ظل الغلاء الفاحش والتراجع المخيف للاقتصاد الوطني.
الأزمة السياسية بين فرقاء العمل السياسي في اليمن تجاوزت منذ سنوات خط اللاعودة، وعقدة الشراكة السياسية، وأصبح مستحيل الأمس ممكناً اليوم في ظل عدد من المتغيرات التي يشهدها الوطن والعالم ككل، وغدا المسكوت عنه معلناً في الحياة السياسية، على اعتبار أن ذلك يعكس نضج الممارسة الديمقراطية اليمنية.
غير أن تعقيدات المشكل السياسي في اليمن الذي يمكن وصفه بـ "المعقد" وتطوراته الأخيرة خلال السنوات الماضية، تمكنت من إكسابه مؤخراً حق الاعتراف بوجود أزمة سياسية حقيقية تستلزم الحل، بعد أن كان هذا الاعتراف يراوح مكانه منذ زمن بين الإنكار المجحف والبوح على استحياء.
ولتقريب وجهات النظر بين "المشترك" المعارض و"المؤتمر" الحاكم لإنهاء الأزمة السياسية في اليمن جاءت مبادرة الوساطة السورية التي قادها الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي السوري عبد الله الأحمر في يناير الماضي، لكن مبادرة الوساطة تلك باءت بالفشل، مثلما تقدم "المعهد الديمقراطي الأمريكي" أيضاً بوساطة أخرى مماثلة على أن يتم عقد الحوار بين الطرفين في بيروت، لكن لا جديد في ذلك.
أحزاب "اللقاء المشترك" المعارضة كانت قد رفضت في فبراير الماضي إجراء أي حوار سياسي مع حزب "المؤتمر الشعبي العام" الحاكم، ما لم يحدد موقفه الواضح والصريح من الوساطة السورية ومبادرة "المعهد الديموقراطي الأميركي"، متهمة إياه بتتويه الرأي العام وتمييع قضايا الِشأن العام اليمني في هذا الإطار، لكن المؤتمر الشعبي العام يؤكد - في ذات الوقت نفسه - التزامه بمبادرة الحوار والجلوس مع أحزاب المعارضة على طاولة واحدة للنقاش والحوار الوطني إذا صدقت نوايا "المشترك".
السبت الماضي، وفي واحدة من تداعيات الأزمة، حمل مهرجان المؤتمر الحاكم الذي أطلق عليه مهرجان " الردع الجماهيري " رداً ساخناً على مهرجان سابق لأحزاب المعارضة حمل اسم " الغضب الجماهيري " اتهم فيه رئيس مجلس الوزراء الدكتور/علي محمد مجور أحزاب المعارضة بالدخول في تحالفات مشبوهة وخارجة عن النظام والقانون"، وشن هجوماً لاذعاً على من وصفهم بـ "المأزومين ودعاة الانفصال"، معتبراً في كلمته أمام المشاركين في المهرجان: أن المهرجان يعد صرخة قوية في وجه من وصفهم بالمتاجرين بالأعمال غير المشروعة, والمشاريع التي قال أنها تأتي من الخارج, وتقف وراء أسباب دعم من رفعوا السلاح في وجه الدولة في محافظة صعدة.
وبينما أشار مجور إلى أن المشترك رفض دعوات رئيس الجمهورية للحوار الوطني تحت سقف الوحدة, والتي قال أنها ما تزال قائمة، أكد أن الدولة قدمت كل ما يمكنها من أجل الحوار، غير أن المعارضة - حسب قوله - وجدت ألف سبيل للهروب من الحوار"، متهماً إياها بالتهرب من اتفاق فبراير، وعدم جديتها في الحوار الحقيقي, وأنها لا تنظر سوى لمصالحها الضيقة.
ووسط تبادل الاتهامات بين السلطة والمعارضة بتصعيد الأزمة السياسية وتحميلها مسئولية ذلك يحذر الكاتب والمحلل السياسي عبد البارئ طاهر مما أسماه بتعقيد الأمور، وقال: ما لم يبادر الجميع حكومة ومعارضة إلى الحوار فإن الأمور ستتعقد أكثر كلما طال الوقت، وستصبح الأزمة التي كان بالمستطاع أن نحلها اليوم، لا نستطيع أن نحلها غداً، لأن الأمور لا تنتظر والبلد أزمتها عميقة جداً، وهي بحاجة إلى معالجة، والمعالجة المتاحة والممكنة هي الحوار فقط.
ويضيف قائلاً: هذه البلاد ليس أمامها من سبيل إلا الحوار، فالطرق الأخرى طرق مسدودة ونتائجها ستكون كارثية على البلاد والعباد، فمثلاً حرب صعدة جربت ست مرات، تنتهي ثم نعود في كل مرة إلى الصفر، والحراك الجنوبي احتجاج سلمي مدني لا يمكن حسم المعركة معه بالسلاح، والأزمة الاقتصادية الشاملة في البلد لا تحل بالسلاح ولا بالعكسرة ولا بالقبيلة، فمسألة الحوار هو السبيل الوحيد المتاح أمام اليمنيين حاضراً ومستقبلاً.
ويتمنى طاهر حضور مصداقية السياسيين وجديتهم لحل الأزمة، لأن الوطن – كما يقول - تكبر مآسيه أكثر فأكثر، ولا بد من إيجاد الحلول لها، فقضايا حياة الناس ومعاشهم ومياه الشرب ولقمة الخبز الكفاف كلها بحاجة إلى أن تكون القضايا الأهم للانشغال بها.
وفيما يتصل بأزمة الحوار الوطني لأجل الإصلاح السياسي في اليمن فإن الناطق الرسمي باسم اللجنة التحضيرية للحوار الوطني محمد الصبري يحمل الحزب الحاكم مسئولية عرقلة الحوار الوطني، وقال: لقد أخل المؤتمر الشعبي بمضمون الاتفاق على الحوار وبروحه ونصوصه، ومن ثم فوت على العمل السياسي الوطني فرصة هامة للوصول إلى مخارج وحلول وتوافق سياسي كانت متاحة خلال العام الماضي، مع أن الحوار الوطني الشامل من أجل الإصلاحات السياسية والوطنية تظل مطلباً لا يستطيع أي طرف من الأطراف سواء في السلطة أو خارجها أن يتهربوا من هذا المطلب.
ويعتقد الصبري أن أجواء من عدم الثقة تسود العمل السياسي الوطني، وهي السبب في عرقلة الحوار الوطني وفشل المساعي في هذا الصدد وتفاقم الأزمة السياسية، حيث يشير إلى ما سماه بـ "عقلية مكرمات السلطة " بقوله: الأزمة الوطنية معقدة وكبيرة، ولها تأثيراتها على كل الأطراف، بمعنى أن الأزمة يمكن أن تكون اليوم هي المتحكم الرئيسي في مواقف الأطراف، ولكن هناك أطراف غير مستوعبة أن الأزمة تستحق الاهتمام بها،  فهناك طرفاً في السلطة يعتقد أن الحوار بالنسبة له مكرمة يمنحها للمعارضة، كمنحة وليست حقاً، وأن المعارضة جاحدة لهذه المكرمة، وعليها أن تحمد للسلطة قبولها أن تتحاور معها، و هذا المنطق خطير، لأن استمراره هو الذي يعقد الأوضاع ويقتل فكرة الحوار كفكرة، وسيكون له في نفس الوقت آثاره الخطيرة والمدمرة على الأوضاع الوطنية، وما لم تتغير عقلية المكرمات وعقلية المن وعقلية التملك للبلد لا أعتقد أن هناك شيئاً جديداً سيأتي.
من جانبه يؤكد الأمين العام المساعد للحركة الوطنية للتغيير والبناء أحمد عبد ربه العواضي على أهمية الاحتكام للحوار البناء والمسئول وقال: نحن بحاجة إلى حوار وطني جاد يضع مصلحة اليمن فوق كل الاعتبارات والمصالح السياسية، وبعيداً عن الامتهان والاستقواء بالخارج، وهذا لا يحتاج إلا إلى إرادة سياسية ونوايا مخلصة من جميع الأطراف، ويجب أن يقوم الحوار على قاعدة الثوابت الوطنية وبرعاية رئيس الجمهورية باعتباره المسئول الأول عن جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية.
وكانت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني قد توصلت إلى توقيع اتفاق مع جماعة الحوثي إبريل الماضي في مدينة صعدة، وصفته بالإنجاز السياسي والوطني الذي من شأنه تعزيز السلام في صعده ودعم الحوار الوطني الشامل، وثمرة الجهود المشتركة خلال الفترة الماضية لرفض الحرب وحل مشكلة صعدة ومعالجة أسبابها وآثارها.
واعتبرت اللجنة هذا الاتفاق نقطة تحول هامة وإيجابية في مسار الأزمة الوطنية والحرب في صعدة بما يعزز السلام والاستقرار في هذه المحافظة، ويدفع في اتجاه تعزيز الحوار السلمي الوطني المفضي إلى وضع الحلول والمعالجات الصحيحة للأزمات الوطنية الراهنة.
وينص الاتفاق بين اللجنة التحضيرية للحوار الوطني وجماعة الحوثي على أربع نقاط هي:
 أولاً: دعم الجهود الرامية إلى تطبيع الأوضاع في محافظة صعدة في إطار معالجة وطنية شاملة، تكرس المصالحة الوطنية، وتزيل آثار الحروب والصراعات الدامية، والحيلولة دون تجددها، وضمان كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية التي كلفها الدستور لجميع المواطنين.
ثانياً: التأكيد على أهمية وضرورة الحوار الوطني كآلية حضارية لمعالجة مختلف المشكلات الوطنية، والمشاركة في فعاليات الحوار الوطني المفضي إلى مؤتمر حوار وطني شامل لا يستثني أحداً.
ثالثاً: التأكيد على أهمية مشروع رؤية الإنقاذ الوطني الشامل كوثيقة وطنية شخصت الأزمة الوطنية بكل أبعادها، واقترحت الحلول والمعالجات الضرورية لها.
رابعاً: التأكيد على التعدد والتنوع في إطار الوحدة ومبدأ التسامح والقبول بالآخر، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام الحقوق والحريات العامة، بما يفضي إلى تحقيق أمن واستقرار الإنسان اليمني وحقه في حياة حرة كريمة.

No comments:

Post a Comment