Monday, August 23, 2010

أمانة العاصمة تتبع نظام تسمية للشوارع يحولها إلى ساحة للصراع المناطقي


أمانة العاصمة تتبع نظام تسمية للشوارع يحولها إلى ساحة للصراع المناطقي
صنعاء.. متاهة كبرى مطموسة الملامح
الإثنين , 23 أغسطس 2010 م
الغد- أحمد القمري
تبدو العاصمة صنعاء، مقارنة بنظيراتها من العواصم والمدن العربية والعالمية، مجرد متاهة كبرى يكسوها البؤس مطموسة الملامح، فهي ما زالت مكبلة بالعديد من المشاكل والعوائق التي تحول دون ارتقائها إلى مصاف المدن المتحضرة، فبرغم ما تشهده هذه المدينة من توسع عمراني متواصل، أفضى إلى توسع رقعتها، وزيادة عدد سكانها، إلا أنها مدينة بلا عناوين، وعاصمة تنمو بلا تخطيط.
ربما كانت صنعاء هي العاصمة الوحيدة في العالم التي يعجز سكانها عن تحديد عناوين سكنهم أو مقار أعمالهم بدقة، أو حتى تحديد أسماء الشوارع والأحياء بوضوح، وهو الأمر الذي أدى إلى فشل الكثير من الخدمات المهمة كخدمة البريد، وتوصيل الرسائل أو الطلبات إلى المنازل، كما هو الحال في جميع مدن العالم.
إذا كنت من سكان العاصمة اليمنية صنعاء، فلا بد أن ينتابك الخجل عندما تعجز عن وصف عنوان منزلك لصديق أو لضيف زائر، فمهما كنت مبدعا وموهوبا في ابتكار أساليب الوصف والاستعانة بالرسوم التوضيحية، يظل من الصعب جدا الاستدلال على الشوارع الرئيسية للعاصمة، ناهيك عن الشوارع الفرعية في الحارات والأحياء الشعبية.
فجميع المواطنين والزائرين للعاصمة يعانون أشد المعاناة في عملية البحث عن عنوان معين، حتى وإن كان في مكان بارز، غير أنهم يستبدلون العناوين بوصف علامات بارزة للوصول إلى المكان المطلوب، فيبذل المرء الكثير من الوقت والجهد للوصول للمكان وبمشقة كبيرة، لينتهي الحال بالترنم بلحن الأغنية الحمينية المشهورة "يا لاقي الضايعة".
وتبرز أيضاً في العاصمة معضلة أخرى تتمثل في أن بعض الشوارع تحمل أكثر من اسم، يقول الأخ عبد الولي الجاكي موضحاً ذلك: عندما تسأل شخصاً ما عن اسم شارع معين تجده لا يعرفه إلا باسمه الآخر، كشارع مقديشو الذي يحمل أيضاً اسم صخر، ولا ندري أي التسميتين هي الرسمية.. مضيفاً: لا توجد توعية من الجهات المختصة بتسمية الشوارع مثل اللوحات الكبيرة، أو القيام بتوزيع كروت ومطويات أو خرائط توضيحية تضمن الالتزام بالتسمية المحددة وتسهل عملية الوصول إلى المكان المحدد.
وقد تباينت وجهات النظر حول الطريقة التي من خلالها سيتم اختيار مسميات شوارع العاصمة صنعاء بعد أن استكملت أمانة العاصمة مشروع التسمية والترقيم لأحيائها وشوارعها ومبانيها، والبدء بتنفيذه خلال الفترة القليلة المقبلة.
أمانة العاصمة اتبعت نظاماً في تسمية الشوارع يتمثل بتسميتها بحسب الأسماء والأرقام بحيث يتم على أساسه تسمية الطرق والشوارع بالأسماء والأرقام على حد سواء، أو يتم الترقيم فقط للشوارع الأقل أهمية، فيما تطلق أسماء فقط على الشوارع المهمة، هذه الأسماء تمثل أسماء محافظات، مديريات، أودية، قلاع وحصون، موانئ برية وبحرية، مناطق أثرية، وأسماء شخصيات يمنية قديمة كان لها تأثير إيجابي، مع الإبقاء قدر الإمكان على الأسماء القديمة المتداولة.
أكاديميون ومواطنون أوضحوا لـ (الغد) عدم موافقتهم أمانة العاصمة الرأي فيما ذهبت إليه من ترقيم الشوارع، وأبدوا موافقتهم على إطلاق مسميات تعكس البعد الحضاري والتاريخي والإنساني للمجتمع اليمني، من أماكن وشخصيات، مع أهمية أن لا تنحصر التسمية في الشخصيات السياسية دون غيرها من الشخصيات البارزة الثقافية والإعلامية والرياضية وغيرها.
عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة صنعاء الدكتور حميد العواضي، أوضح أن اليمن لديها الكثير من الأعلام في شتى المجالات، مضيفاً: نحن ضد ترقيم الشوارع، لأن الأرقام تطلق في كل مكان في العالم على البلوكات فقط أما الشوارع فتطلق عليها الأسماء.
وأضاف الدكتور العواضي: نحن سنحافظ على بعض الأسماء التقليدية مثل كلمة مقشامة، ولكمة، ونقيل،وسائلة، لأن هذه الألفاظ مرتبطة بالبيئة اليمنية، لكن بعض الألفاظ مثل لكمة العرج يمكن النظر فيها وهي ليست عيباً، مقترحاً على أمانة العاصمة أن تكون اللجنة موسعة وأن يكون فيها أعضاء من قسم التاريخ والآثار والجغرافيا وأن يشارك الناس من خلال استبيان يطرح عليهم لإبداء آرائهم حول التسميات، ويرى أن أفضل عمل في تسمية الشوارع يتم أولاً على الخرائط ثم في الخطوة الثانية يتم نزول مجموعة من الأساتذة والباحثين الاجتماعيين والجغرافيين إلى أرض الواقع، مشيراً إلى أن هناك فرقاً كبيراً بين ما هو مرسوم على الخرائط المعتمدة رسمياً وبين الواقع في الميدان لأنه تم استحداث وتغيير بعض الشوارع.

إهمال التاريخ
رئيسة مؤسسة برامج التنمية الثقافية الدكتورة رؤوفة حسن، قالت: ليس هناك من دلالات لتسمية شوارعنا سوى أننا ناكرون للجميل وليس لدينا اعتراف بالتاريخ وليس لدينا اهتمام بقيادات وريادات مؤثرة في تاريخنا، مضيفة: هناك إهمال لرموز معينة لأن التركيز فقط على الرموز السياسية وأحياناً العسكرية لكن الرموز الاجتماعية والفكرية والشعبية ليست من المؤثرات التي تهمنا في تسمية شوارعنا.
فيما يؤكد الإعلامي عبدالله غراب أهمية أن تعكس تسميات الشوارع البعد الحضاري والتاريخي والإنساني للمجتمع اليمني، بالإضافة إلى أسماء المحافظات والمديريات، وقال: هناك كثير من الانتقادات على أسلوب اللجنة المختصة في اتباعها لتسمية الشوارع الرئيسية والفرعية بأسماء القرى والعزل، وهذه في نظري لم تكن موفقة، فالشخصيات اليمنية كثيرة جداً من الأدباء والشعراء والفنانين وغيرهم، سواء الذين قضوا نحبهم أو الذين ما يزالون على قيد الحياة، فمن حقهم أن يكرموا في حياتهم مثل الدكتور عبد العزيز المقالح، والسقاف، وآمنة النصيري، فكل هؤلاء خدموا الوطن وقدموا صورة إيجابية عن اليمن ويستحقون أن تطلق أسماؤهم على شوارع العاصمة، مضيفاً: أرى أن لا تنحصر التسمية على الشخصيات السياسية، بل يجب أن يشمل الاختيار كل الشخصيات السياسية والثقافية والإعلامية والرياضية وغيرها.
ويرى غراب ضرورة أن تحمل تسميات شوارع العاصمة البعد العالمي، كنوع من التسامح الإنساني والحضاري، من خلال إطلاق أسماء مفكرين عالميين مثل بيكاسو، أو عرب مثل عباس العقاد، أو مسلمين، لافتاً إلى أن زوار صنعاء من جنسيات العالم المختلفة، ويجب أن يلمس السائح ذلك البعد الإنساني من خلال تلك التسميات العالمية، موضحاً أنها خير من بعض الأسماء الموجودة التي تثير القشعريرة مثل مذبح أو نقم والتي ارتبطت بحوادث معينة تثير استنفار النفس البشرية.
ويوافق الأخ مجاهد الشاطبي رأي الإعلامي غراب فيما ذهب إليه فيما يتعلق بالتسميات المثيرة للعجب،    فيقول الشاطبي: هناك أسماء غريبة تثير الضحك والسخرية مثل لكمة السارقة، ولكمة الزبيب، وقرية الدجاج، وشارع العصيدة، وشارع المطيط، وغيرها، فيما يختلف معه في الرأي حول البعد العالمي في التسميات، موضحاً أنه ضد تسمية الشوارع بأسماء عواصم غربية أو أوربية لصعوبتها عند البسطاء من الناس، وقال: لماذا نسمي شارع برلين أو غيره، مع أنه من الأولى أن نبدأ بأسمائنا التاريخية، ومن ثم الشخصيات العربية والإسلامية، مثل صلاح الدين لأنها أسماء يفهمها الناس جميعاً.
الشاطبي لفت إلى ما أطلق عليها مشكلة، وهي أن شارع تعز مثلاً يمتد من باب اليمن إلى شميلة، مقترحاً تقسيمه من أجل تعرف الناس على المكان المحدد فيه.
من جهته الأخ قائد الطيري، يتمنى على اللجنة المختصة بتسمية الشوارع أن لا يتحسسوا من بعض أسماء شخصيات يمنية، وأن يتعاملوا معها بصرف النظر عن انتمائها لأي توجه فكري أو حزبي، وقال: يجب علينا أن نحترم الزعامات والقيادات من كل الأطياف والتوجهات وسيكون محسوباً لمن يطلق اسم شخصية معينة وهو على عدم وفاق معها أو يختلف مع توجهها الفكري أو الحزبي، كدليل على تقبل الآخر، مشيراً إلى أن المشكلة تكمن في إعادة النظر في كثير من التسميات التي أطلقت على الشوارع في الفترات الماضية وخضع الأمر لأبعاد ذات طابع سياسي فهناك الكثير من الشخصيات والأدباء والمفكرين والثوار لم يتم تسمية شوارع بأسمائهم، سوى شارع الزبيري الذي يمتد من شرق العاصمة إلى غربها.
معايير وشروط
وفيما يتعلق بوجهة نظر الجهة المختصة، فقد وصف المهندس مدين السامعي أحد المشرفين على مشروع التسمية والترقيم بإدارة النظم والمعلومات الجغرافية بقطاع الشؤون الفنية بأمانة العاصمة، وصف المشروع بالمهم من حيث تسهيل الوصول إلى العنوان المقصود، وقال: أيضاً سيسهل المشروع عملية التقسيم وتحديد الحدود للمديريات والأحياء من أجل توزيع الخدمات من صحة وأمن وتعليم وخدمات الاتصالات والبريد والمياه وغيرها.
وأكد التزام أمانة العاصمة بالمعايير والشروط العالمية لعملية التقسيم من خلال استخدامها أكثر من نظام عالمي، موضحاً أن هناك نظام ترقيم فقط بدون أسماء، وهناك نظام تسمية بحتة بدون أرقام، وأنه تم الدمج بين النظامين بحيث ستطلق تسميات على الشوارع الكبيرة والحيوية التي يزيد عرضها عن 20 متراً أو 16 متراً، في حين يتم ترقيم الشوارع الداخلية في الأحياء، لافتاً إلى أن لأمانة العاصمة تقسيمين تخطيطي وإداري، يتضمن الأول تقسيم الأمانة إلى تسعة قطاعات يحتوي كل قطاع على وحدات جوار، وداخل كل وحدة جوار مجموعة من الشوارع، فيما يتضمن الثاني تقسيم الأمانة إلى 11 مديرية، كل مديرية قسمت إلى عدد من الأحياء، فيما تم تقسيم كل حي إلى عدد من الحارات.
وأشار السامعي إلى أن عملية التسميات ظهر فيها إشكاليات وعوائق كثيرة، ووجهت لها الكثير من الانتقادات، وقال: تكمن الإشكالية الأولى في اختيار الشخصية وأقدميتها بالإضافة إلى وضع الشخصية، وهل يليق بها هذا الشارع دون شخصية أخرى فدخلت الكثير من الاحتكاكات التي أدت إلى تأخر تنفيذ المشروع، وقد قمنا باختيار طريقة أخرى للتسمية بأسماء القلاع والحصون والموانئ والجزر اليمنية وأسماء المديريات التي يبلغ عددها 330 مديرية.
وقال: تم الترتيب لتسمية الشوارع على حسب تقسيم المناطق، بحيث أن كل منطقة تختص بمحافظة معينة، فالمنطقة الأولى مثلاً تسمى شوارعها الرئيسية باسم المحافظة وما داخلها من الشوارع الفرعية بأسماء مديريات المحافظة، وهناك أسماء ستطلق على أسماء الحصون والوديان، وبأسماء شخصيات قديمة تم اختيارها، وليس فيها أي اختلاف، مضيفاً أنه من المهم جداً أن يكون للأسماء مدلولات اجتماعية وتاريخية وتعريفية للجزر والحصون والأودية والثوار والأدباء الذين كان لهم الأثر الإيجابي في تاريخ اليمن.
وأوضح أن مشروع التسمية والترقيم بدأ في عام 2003 بتنفيذ المؤسسة الاقتصادية ووزارة الأشغال، غير أنه فشل ولا يوجد منه سوى بعض اللوحات والأرقام، وعزا السامعي فشله إلى عدة أسباب منها عدم وجود تنسيق بين الجهات مثل المياه والهيئة العامة لأراضي وعقارات الدولة، إلى جانب عدم وجود الرؤية الواضحة والتصور الكامل للمشروع، وعدم وجود التوعية والدعاية الإعلامية المصاحبة له، إذ أن كثيراً من الناس لا يعرفون كيفية التعامل مع هذه اللوحات.

No comments:

Post a Comment